مقالات

سيد الأسيوطي يكتب: الجيش المصري من حرب العبور إلى مدينة العبور

لم يكن المشهد الذي شهدته مدينة العبور خلال تدريبات قوات الصاعقة المصرية مجرد تدريب عسكري عادي، ولا استعراضًا تقليديًا للقوة، بل بدا وكأنه رسالة وطنية كاملة الأركان، تحمل في طياتها ذاكرة التاريخ، ومعاني الحاضر، وإشارات إلى المستقبل.
ففي وقت تشهد المنطقة اضطرابات متصاعدة، وتتصاعد التهديدات والتحديات الإقليمية، خرج علينا رجال الصاعقة المصرية البواسل إلى شوارع المدينة بين المواطنين، بخطوات ثابتة وانضباط صارم وكلمات حاسمة، لتتجاوز الصورة حدود التدريب العسكري إلى معنى أعمق:
بأن مصر التي امتلكت إرادة العبور في حرب أكتوبر 1973 المجيدة، ما زالت تملك إرادة الحماية والردع والاستعداد.
فحين يذكر المصريون كلمة “العبور”، فإن الذاكرة تتجه فورًا إلى حرب أكتوبر 1973، ذلك اليوم الذي استطاع فيه الجندي المصري البطل أن يحطم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وأن يعبر قناة السويس تحت النيران، ويهزّ الأرض تحت أقدام العدو.
لقد كان العبور في أكتوبر أكثر من مجرد عملية عسكرية ناجحة؛ بل إعلانًا رسميًا عن ميلاد جديد للدولة المصرية الحديثة، واستعادةً للثقة والكرامة والإرادة الوطنية.
واليوم، وبعد عقود من ذلك النصر العظيم، تعود كلمة “العبور” مرة أخرى، ولكن في صورة مختلفة.
فهذه المرة لم يكن العبور فوق المياه، بل وسط الشوارع، وبين الجماهير، داخل مدينة تحمل الاسم ذاته: مدينة العبور.
وهنا تكمن الرمزية العميقة.
فالجيش الذي عبر القناة بالأمس وهزّ الأرض تحت أقدام العدو، يظهر اليوم داخل “مدينة العبور” ليؤكد أن عقيدة الاستعداد للقتال لم تتغير، وأن روح أكتوبر ما زالت حية في وجدان المؤسسة العسكرية المصرية العريقة.
إن قوات الصاعقة المصرية الباسلة تمثل واحدة من أكثر الوحدات العسكرية كفاءة وصلابة داخل القوات المسلحة المصرية.
وعلى مدار عقود، ارتبط اسمها بالمهام القتالية الخاصة، والقدرة على العمل في أصعب الظروف، مع التحمل البدني والنفسي الاستثنائي.
ولذلك، فإن نزول هذه القوات إلى الشارع وسط المواطنين لم يكن أمرًا عشوائيًا، بل رسالة قوية لها دلالاتها المحسوبة بعناية فائقة.
فالرسالة الأولى كانت موجهة إلى الداخل المصري:
لطمأنة الشعب بأن جيشه حاضر وقوي ومتأهب في أي وقت، وقادر على حماية الدولة في أي مكان وتحت أي ظروف.
أما الرسالة الثانية، فهي للخارج:
بأن مصر ليست دولة هشّة، وأن قواتها المسلحة تمتلك جاهزية عالية، وعقيدة قتالية راسخة، وقدرة على التحرك السريع والحسم إذا اقتضت الضرورة ذلك.
ومن أكثر ما لفت الانتباه في مشهد تدريبات قوات الصاعقة في مدينة العبور هو التفاعل الشعبي الكبير.
فالمواطنون الذين احتشدوا على جانبي الطرق، والذين يشاهدون ويهتفون من شرفات العمارات، لم يشاهدوا جنودًا غرباء عنهم، بل رأوا أبناءهم وإخوتهم وحائط الصدّ والأمان الذي تستند إليه الدولة المصرية منذ عقود.
هذا المشهد أعاد إلى الأذهان تلك العلاقة التاريخية الخاصة بين الشعب المصري وجيشه العريق؛ علاقة لم تُبنَ فقط في ساحات القتال أو أثناء الحروب، بل تشكلت عبر مواقف وطنية كبرى، كان الجيش فيها دائمًا حاضرًا في كل لحظة.
ولهذا جاءت الهتافات والتصفيق والتفاعل الشعبي بصورة عفوية، كأن المصريين يقولون لجنودهم:
“نحن نثق بكم.. وندعمكم بكل قوة… لأنكم أنتم الدرع والسيف والسند.”
وقد يظن البعض أن التدريبات العسكرية مجرد إجراءات روتينية، ولكن التوقيت والمكان وطبيعة الظهور العلني وسط الشوارع يمنحون الحدث أبعادًا أوسع وأعمق.
فالمنطقة المحيطة بمصر تعيش على وقع أزمات معقدة وصراعات مفتوحة، ما يجعل الجاهزية العسكرية ضرورة وجودية وليست رفاهية سياسية.
ومن هنا يمكن فهم تدريبات أبطال الصاعقة المصرية البواسل في مدينة العبور باعتبارها رسالة استراتيجية واضحة:
بأن الدولة المصرية تراقب، وتستعد، وتمتلك القدرة على الردع والحماية في أي وقت.
وأيضًا رسالة تقول إن جيش العبور لم يتحول إلى مجرد ذكرى تاريخية تُروى في الاحتفالات، بل ما زال مؤسسة حية تتطور وتستعد وتعمل بعقيدة قتالية راسخة.
لقد خاضت مصر في أكتوبر معركة استرداد الأرض والكرامة، أما اليوم فهي تخوض معركة الحفاظ على الاستقرار وسط عالم شديد الاضطراب.
وبين المعركتين يقف الجيش المصري كأحد أعمدة الدولة الوطنية؛ جيش يحمل ذاكرة النصر، لكنه لا يعيش على أمجاد الماضي فقط، بل يواصل التدريب والتطوير والاستعداد للحاضر والمستقبل.
ولهذا لم يكن ظهور رجال الصاعقة في شوارع مدينة العبور مجرد حدث عابر، بل كان استدعاءً حيًا لذاكرة نصر أكتوبر، ورسالة قوية تقول إن مصر ما زالت تملك القوة التي تحميها، والإرادة التي تحفظها، والجيش الذي يقف دائمًا على أهبة الاستعداد.
فالعبور بالنسبة للمصريين لم يعد مجرد صفحة في تاريخ الانتصارات…
بل عقيدة وطنية راسخة.. يدًا تبني ويدًا تحمل السلاح.
حفظ الله الوطن، وتحيا مصر بوحدتها دائمًا وأبدًا رغم أنف الحاقدين والمتربصين أعداء الأمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);