
ضغوط الحياة ضد المرأة ليست كلمة عابرة تقال في المجالس بل هي واقع تعيشه كل يوم منذ أن تفتح عينيها في الصباح . حتى تضع رأسها على الوسادة في آخر الليل واقع يبدأ من الساعة التي تدق في الخامسة لتجهز البيت والأولاد وتعد الطعام وتلحق بعملها وتعود لتبدأ وردية ثانية في البيت لا تنتهي إلا حين ينام الجميع . وتظل هي مستيقظة تراجع دروسا وتغسل ملابس وتفكر في غد لا تعرف ملامحه
والمرأة تواجه ضغط التوقعات لأن المجتمع يريدها أما مثالية وزوجة مثالية وموظفة مثالية وابنة بارة وجارة ودودة وصديقة حاضرة وجميلة دائما ومبتسمة دائما وصبورة دائما ولا تشتكي أبدا وإذا تعبت قيل لها الكل تعبان وإذا بكت قيل لها أنت قوية وإذا طلبت مساعدة قيل لها هذا دورك وإذا نجحت قيل لها على حساب بيتك وإذا قصرت قيل لها أين كنت
والضغط الاقتصادي يزيد الحمل لأن الأسعار ترتفع والدخل ثابت والالتزامات تكبر والمرأة تجد نفسها مطالبة بأن تدبر وأن توفر وأن تعمل عملا إضافيا وأن تضحي بأحلامها الصغيرة لتشتري أحلام أولادها الكبيرة وتخفي دموعها وهي تحسب مصروف الشهر وتقسم الراتب على الدروس والعلاج والطعام والإيجار وتبتسم وهي تقول الحمد لله رغم أن قلبها مثقل بالخوف من الغد
والضغط النفسي يكبر في صمت لأنها لا تجد وقتا لنفسها ولا مساحة تبكي فيها ولا أذنا تسمعها بلا لوم ولا كتفا تستند عليه بلا مقابل فتكتم وتكتم حتى يصير الكتمان مرضا وتصير الابتسامة قناعا وتصير القوة واجبا لا اختيارا وتصير كلمة أنا تعبانة تهمة وتقصير وتخلي عن الدور المرسوم لها من يوم ولادتها
والضغط الاجتماعي يحاصرها بالأسئلة لماذا لم تتزوجي بعد ولماذا لم تنجبي بعد ولماذا لا تشبهين فلانة ولماذا لا تسكنين في مكان أفضل ولماذا لا يدرس أولادك في مدرسة أغلى ولماذا لا تلبسين مثل غيرك ولماذا لا تسافرين مثل غيرك ولماذا ولماذا حتى تصير حياتها ميدان مقارنة لا يهدأ وتصير سعادتها مرهونة برضا الناس لا برضا قلبها
وضغط العمل ضغط آخر لأنها تعمل مثل الرجل وتعود لتكمل عملا ثانيا في البيت ولأنها مطالبة أن تثبت نفسها مرتين مرة لأنها كفء ومرة لأنها امرأة ولأنها حين تخطئ يقال خطأ امرأة وحين تنجح يقال وراءها رجل ولأنها حين تطلب إجازة لطفل مريض يقال إنها غير ملتزمة وحين ترفض السفر يقال إنها لا تصلح للمنصب
والضغط الأسري ضغط من نوع خاص لأنها مطالبة أن ترضي الزوج وأن ترضي الأهل وأن ترضي أهل الزوج وأن تكون جسرا للسلام حتى لو احترقت وأن تسمع الكلام حتى لو كان ظلما وأن تسكت وقت الغضب حتى لو كانت صاحبة حق وأن تبدأ بالصلح حتى لو لم تكن مخطئة لأن كلمة بيتك أولى صارت قيدا لا وصية
والعنف أحيانا يكون جزءا من الضغط عنف لفظي يسمعها كلاما يكسرها كل يوم وعنف اقتصادي يحرمها من مالها ومن قرارها وعنف عاطفي يجعلها تشعر أنها وحدها حتى وهي وسط الناس وعنف مجتمعي يخيرها بين الصمت أو الفضيحة فتختار الصمت وتحمل وجعها وحدها وتكمل لأنها تعلمت أن البيت لا يقوم إلا إذا سكتت
والسؤال المهم ما الحل والحل لا يكون في خطبة ولا في يوم احتفال ولا في وردة تهدى لها ثم ننساها الحل يبدأ من البيت حين يتعلم الولد أن أخته شريكة لا خادمة وأن أمه إنسانة لها طاقة ولها حدود وأن الأبوة مشاركة لا سلطة وأن الرجولة سند لا سيطرة وأن كلمة شكرا تفرق وأن كلمة سلامتك ترد الروح
والحل في المدرسة حين نعلم البنت أن لها حلم وأن لها حق وأن لها صوت وأن جسدها أمانة وأن عقلها ثروة وأن زواجها اختيار لا مصير وأن عملها كرامة لا ترف وأن سعادتها مسؤوليتها قبل أن تكون مسؤولية أحد
والحل في العمل حين تتساوى الأجور وتتساوى الفرص وحين تصبح الحضانة داخل كل مؤسسة حقا لا منحة وحين تصبح ساعات العمل المرنة واقعا لا استثناء وحين يصير تقييم المرأة على كفاءتها لا على ظروفها وحين تصير القيادة لمن يستحق لا لمن اعتدنا
والحل في القانون حين يطبق بلا مواربة وحين تصير الحماية من العنف سريعة وحاسمة وحين تصير النفقة كرامة لا معركة وحين تصير الحضانة مصلحة طفل لا ساحة انتقام وحين تصير الإجراءات سهلة والعدالة ناجزة لأن العدالة البطيئة ظلم آخر
والحل في الإعلام حين يوقف تصدير صورة المرأة الضعيفة أو المرأة المستفزة وحين يقدم نماذج حقيقية لنساء تبني وتعلم وتخترع وتداوي وتزرع وتحارب وحين تصبح القصة عن الإنجاز لا عن الفستان وحين تصير الكاميرا مرآة للواقع لا مصنعا للوهم
والحل في الاقتصاد حين نفتح للمرأة أبواب التمويل الصغير والمتوسط وحين ندربها على المهارات الرقمية وحين نشتري منتجاتها ونثق في إدارتها وحين نعلمها كيف تحول فكرتها إلى مشروع ومشروعها إلى دخل ودخلها إلى استقلال واستقلالها إلى أمان
والحل في الصحة النفسية حين تصير زيارة الطبيب النفسي مثل زيارة طبيب الأسنان بلا خجل وحين تصير مجموعات الدعم مساحة آمنة تحكي فيها دون خوف وحين تتعلم المرأة أن طلب المساعدة قوة لا ضعف وأن قول لا نجاة وأن قول تعبت حق وأن قول أحتاجك حياة
والحل في الرجل نفسه حين يفهم أن قوة المرأة لا تنقص من رجولته بل تزيدها وأن نجاحها لا يهدده بل يسنده وأن البيت شركة لا معركة وأن الأبوة القدوة أعظم من الأبوة بالصوت العالي وأن الشريك الحقيقي هو الذي يقتسم التعب قبل أن يقتسم الصورة
والحل في المرأة نفسها حين تصدق أنها تستحق وأنها ليست مضطرة أن ترضي الجميع وأنها ليست آلة وأنها ليست في سباق وأنها من حقها أن ترتاح وأن من حقها أن تحلم وأن من حقها أن تبدأ من جديد في أي عمر وأن من حقها أن تختار ما يناسبها لا ما يناسب الصورة
والحياة لن تكون بلا ضغوط لأن الضغط جزء من العيش لكن الفرق أن يكون الضغط موزعا بعدل وأن يكون السند موجودا وأن يكون الاعتراف بالفضل حاضرا وأن تكون الكلمة الطيبة عادة وأن يكون الأمان قرارا وأن تكون الكرامة خطا أحمر لا يتجاوزه أحد
والمرأة حين تجد من يراها ستنهض وحين تجد من يسمعها ستتكلم وحين تجد من يصدقها ستطير وحين تجد من يشاركها ستبني وطنا كاملا داخل بيت واحد
والرسالة الأخيرة لكل امرأة أنت لست وحدك وأن تعبك مرئي وأن دمعك غال وأن حلمك مشروع وأن غدك بيدك وأن الباب الذي أغلق في وجهك سيفتح غيره وأن القوة التي يطلبها منك الجميع موجودة فيك لكنها تحتاج أن تصدقيها وأن تحميها وأن تمنحيها وقتا لتتنفس
والرسالة لكل بيت افتحوا النوافذ للنور وللكلمة الحلوة وللعدل وللرحمة وللمشاركة لأن البيت الذي تكون فيه المرأة بخير يكون كل من فيه بخير
والحياة ضدنا أحيانا نعم لكننا أقوى حين نكون معا وحين نكون عادلا وحين نكون سندا وحين نكون بيتا لا ساحة حرب.






