سيد الأسيوطي يكتب : المصريون شعب الله المختار … الأرض التي وقفت دائمًا في وجه الطوفان

ليست عظمة مصر في أنها مجرد دولة قديمة، ولا في أنها صاحبة أقدم حضارة عرفها الإنسان فقط، بل في أنها الأرض التي قاومت السقوط كلما ظن العالم أن الطوفان قد ابتلع كل شيء. فعبر آلاف السنين، لم تكن مصر مجرد شاهد على التاريخ، بل كانت في كثير من اللحظات الحاسمة حائط الصد الأخير الذي منع انهيار المنطقة، بل وربما الحضارة الإنسانية نفسها.
منذ فجر التاريخ، ارتبطت مصر بفكرة البقاء والاستمرارية. فحضارات كثيرة ظهرت ثم اختفت، وإمبراطوريات ملأت الدنيا قوةً وجبروتًا ثم تحولت إلى أطلال، بينما بقيت مصر واقفة، تتغير ملامحها أحيانًا لكنها لا تسقط أبدًا. وكأن في هذه الأرض سرًا خاصًا يجعلها دائمًا قادرة على النجاة من الطوفان.
وتذهب بعض الروايات والدراسات التراثية إلى أن بدايات الوجود الإنساني الأول لبني آدم ارتبطت بأرض مصر القديمة، وتحديدًا بمنطقة عين شمس التي عُرفت قديمًا باسم «أون» أو «هليوبوليس»، وكانت واحدة من أعظم المراكز الدينية والعلمية في العالم القديم، ومنها خرجت مدارس الحكمة والفلك والمعرفة. ويرى بعض الباحثين أن المسلة التاريخية القائمة حتى اليوم في عين شمس ليست مجرد أثر حجري، بل رمز لذاكرة حضارية وروحية شديدة القدم. ورغم أن هذه الروايات لا تقوم على أدلة قطعية حاسمة تاريخيًا، فإنها تكشف عن مكانة مصر العميقة في الوعي الديني والإنساني منذ البدايات الأولى للتاريخ البشري.
وتشير بعض الروايات التراثية والدراسات الحضارية إلى ارتباط نبي الله إدريس عليه السلام بمصر القديمة، باعتباره من أوائل من علّموا الناس الكتابة والعلوم والتنظيم. وتذكر بعض الموروثات أنه كان صاحب علمٍ واسع واتصالٍ بالمعرفة الربانية وفق التصورات الدينية القديمة، ورغم أن هذه الروايات ليست محل اتفاق قطعي، فإنها تكشف عن صورة راسخة في الوعي الإنساني ترى مصر أرضًا للعلم والبدايات الكبرى.
ثم جاءت رحلة الأنبياء، وكأن مصر كانت محطة متكررة في مسار الرسالات السماوية. دخلها نبي الله إبراهيم عليه السلام، وعاش فيها يوسف عليه السلام الذي أنقذ الناس من المجاعة بحكمة الإدارة والتخطيط، ثم تربّى على أرضها موسى عليه السلام وشهدت أعظم مواجهة بين الحق والطغيان في التاريخ القديم. كما أن مصر لم تكن فقط أرضًا مرّ بها الأنبياء، بل كانت أيضًا الأرض التي اختارها الله لتشهد واحدة من أعظم لحظات التجلي الإلهي في تاريخ الرسالات، حين كلّم المولى عز وجل نبيه وكليمه موسى عليه السلام عند طور سيناء على أرض مصر، حيث تجلت القدرة الإلهية ونزل الوحي وبدأت أعظم لحظة في مسار المواجهة مع الظلم والطغيان.
وبعد ذلك أصبحت مصر ملاذًا آمنًا للسيدة مريم العذراء وابنها المسيح عيسى عليه السلام، حين ضاقت بهما الأرض بما رحبت من ظلم البشر.
ثم جاء الفتح الإسلامي ليضيف فصلًا جديدًا إلى العلاقة الخاصة بين مصر ومسار الرسالات والتاريخ الروحي للأمة. فلم تدخل مصر الإسلام فقط كأرضٍ تم فتحها عسكريًا، بل تحولت سريعًا إلى واحدة من أهم حواضن الحضارة الإسلامية والعربية، وإلى مراكزٍ للعلم والفقه واللغة والثقافة. كما أصبحت مصر ملاذًا امنآ لعدد من آل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذين وجدوا فيها حضنا إنسانيًا و محبة استثنائيًا، لترتبط الهوية الشعبية المصرية بحب آل البيت وتوقيرهم عبر القرون، حتى أصبحت أسماؤهم ومساجدهم ومقاماتهم جزءًا أصيلًا من الهوية الروحية والثقافية لمصر وشعبها العظيم.
وكأن هذه الأرض التي استقبلت الأنبياء من قبل، كانت مهيأة أيضًا لاحتضان ذرية خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام.
ولم يتوقف دور مصر عند الرسالات والأنبياء، بل امتد إلى حماية المنطقة والعالم من الانهيار في اللحظات المصيرية. فعندما احتل الهكسوس مصر، لم تستسلم طويلًا، بل خرج منها أحمس ليطرد الغزاة ويعيد بناء الدولة، معلنًا أن هذه الأرض لا تعرف البقاء تحت الاحتلال مهما كانت الظروف والتحديات.
وبعد قرون طويلة، تكرر المشهد مع الغزو المغولي. فبعد سقوط بغداد مقر الحكم والخلافة في حينها بدا العالم الإسلامي وكأنه ينهار بالكامل تحت اجتياح التتار، حتى جاءت مصر لتخوض معركة عين جالوت بقيادة سيف الدين قطز والظاهر بيبرس وقيادات الجيش المصري العريق،
فتوقف و لأول مرة الزحف و الاجتياح المغولي المدمر الذي أرعب العالم باكمله، وكانت المعركة لحظة إنقاذ حضاري غيّرت مسار التاريخ الإسلامي والإنساني معًا.
ثم جاء دور مصر في مواجهة الحملات الصليبية، حيث تحولت إلى مركز المقاومة والاسترداد بقيادة صلاح الدين الأيوبي الذي خاض المعارك بالجيش المصري حتي أعاد القدس وكامل الأرض العربية والإسلامية ومن بعده المماليك، ليتم التأكيد مرة أخرى أن هذه الدولة المصرية العريقة لا تقف موقف المتفرج حين تشتد الأزمات الكبرى في المنطقة بل هي صمام الأمان والاستقرار دائما.
وفي العصر الحديث، تجلت واحدة من أهم المعارك التي خاضها الجيش المصري العريق، وهي حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، حين عبر الجيش المصري قناة السويس وحطم خط بارليف، في ملحمة عسكرية أعادت للعالم معنى الإرادة والصمود العربي، وأكدت أن هذه الأرض قادرة على استعادة قرارها وصناعة انتصارها مهما كانت قوة العدو و حلفائه. لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية، بل كانت لحظة استعادة للكرامة وإعادة رسم لمعادلات القوة في المنطقة.
ولعل السر الحقيقي في بقاء مصر لا يكمن فقط في الجغرافيا أو القوة العسكرية، بل في قدرة شعبها على إعادة بناء نفسه بعد كل أزمة. فالمصريون عبر التاريخ لم يكونوا مجرد سكان لأرض حول النيل، بل أصحاب ذاكرة حضارية طويلة جعلتهم أكثر قدرة على التماسك أمام الفوضى والانهيار.
ولهذا فإن الحديث عن مصر ليس حديثًا عن حدود سياسية أو جغرافيا، بل عن فكرة حضارية مستمرة عبر الزمن. فكرة تقول إن هناك أممًا تصنع الأحداث، وأممًا تحافظ على استمرار التاريخ نفسه، ومصر كانت وما زالت دائمًا من هذا النوع؛ أمة تعرف كيف تستمر وتصمد أمام التحديات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب على وجه الأرض ليس الفقر ولا الأزمات، بل أن يفقد وعيه بدوره وقيمته التاريخية. والمصريون هم بالفعل شعبٌ الله المختار الحقيقي الذي اختاره الله ليكون على قدر المسؤولية، لا بالامتياز العرقي كما يدعي البعض بل بالقدرة علي الحماية والعدل والمساواة والإنسانية والمحبة والتسامح والسلام .
فالأرض التي مرّ بها الأنبياء، ووقفت في وجه الغزاة، وحملت عبء الدفاع عن المنطقة لقرون، لا يليق بها أن تتحول إلى مجرد متفرج على مستقبلها.
ولهذا فإن مسؤولية المصريين اليوم ليست أن يتغنوا بالماضي فقط، بل أن يفهموا معنى هذا التاريخ: أن البقاء لا يُمنح مجانًا، وأن الحضارات التي تنجو من الطوفان تفعل ذلك بالوعي والعمل والوحدة والقدرة على حماية نفسها من التفكك.
ربما لهذا بقيت مصر دائما منارة الشرق والغرب … بينما ابتلع الطوفان الكثيرين من الأمم غيرها.
… ملخص من كتاب: «المصريون شعب الله المختار.. الحضارة التي لم يبتلعها الطوفان»
تأليف الكاتب والسياسي المصري: سيد حسن الأسيوطي.
حفظ الله مصر، لتبقى كما كانت دائمًا… وطنًا لا يسقط، وحضارة لا يبتلعها الطوفان.






