الأزهر يكشف تفاصيل طواف النبي ﷺ عند القدوم إلى مكة

مع اقتراب موسم الحج وبدء أفواج الحجاج في التوافد إلى الأراضي المقدسة، تتجه أنظار المسلمين إلى الكعبة المشرفة، حيث تتجدد مشاعر الشوق إلى أعظم رحلة إيمانية يعيشها المؤمن في حياته، وتزداد التساؤلات حول الكيفية التي أدى بها سيدنا رسول الله ﷺ مناسك الحج والطواف حول البيت الحرام، باعتباره القدوة الأولى والأسوة الكاملة في العبادة والطاعة.
وفي هذا الإطار، أوضح مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية تفاصيل صفة طواف النبي ﷺ بالبيت الحرام عند قدومه إلى مكة المكرمة، كاشفًا عن السنن النبوية والأدعية والمواقف الإيمانية التي صاحبت هذا المشهد العظيم، والذي لا يزال المسلمون يقتدون به حتى اليوم.
وأكد المركز أن طواف النبي ﷺ لم يكن مجرد انتقال حول الكعبة المشرفة، بل كان عبادة عظيمة امتلأت بالخضوع لله سبحانه وتعالى، والذكر والدعاء والسكينة، حتى تحولت كل خطوة من خطواته ﷺ إلى مدرسة متكاملة في الإيمان واليقين وتعظيم شعائر الله.
وبيّن الأزهر أن سيدنا رسول الله ﷺ دخل مكة المكرمة في اليوم الرابع من شهر ذي الحجة، في مشهد مهيب استقبلته فيه القلوب بالإجلال والمحبة، حيث توجه مباشرة إلى المسجد الحرام بعد أن أناخ راحلته عند باب المسجد.
وفور دخوله إلى البيت العتيق، بدأ النبي ﷺ مناسكه باستلام الحجر الأسود، إيذانًا ببدء الطواف حول الكعبة المشرفة، وهي السنة التي يحرص ملايين المسلمين على الاقتداء بها كل عام أثناء أداء الحج والعمرة.
وأشار المركز إلى أن النبي ﷺ جعل الكعبة عن يساره أثناء الطواف، ثم مضى عن يمينه، وبدأ بالرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف
وأوضح علماء الأزهر أن الرَّمَل هو الإسراع الخفيف في المشي مع تقارب الخطوات دون الوصول إلى الجري الكامل، وهو من السنن النبوية التي شُرعت في طواف القدوم.
وقد فعل النبي ﷺ ذلك في الأشواط الثلاثة الأولى، ثم مشى في الأشواط الأربعة المتبقية بهدوء وسكينة، في صورة تجمع بين القوة والخشوع والوقار.
واستشهد المركز بما رواه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، حين قال:
«رأيتُ رسولَ الله ﷺ حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخبُّ ثلاثة أطواف من السبع»
وهو الحديث الذي رواه الإمام البخاري، ويُعد من أوضح الروايات التي وصفت هيئة طواف النبي ﷺ عند قدومه إلى مكة المكرمة.
الدعاء بين الركن اليماني والحجر الأسود
ومن أبرز الملامح الإيمانية التي كشف عنها الأزهر، ما كان يردده النبي ﷺ أثناء الطواف، خاصة بين الركن اليماني والحجر الأسود، حيث كان يكثر من الدعاء الجامع الذي يحمل خير الدنيا والآخرة.
وكان النبي ﷺ يقول:
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
وأوضح علماء الشريعة أن هذا الدعاء من أعظم الأدعية القرآنية، لأنه يجمع للمؤمن الخير كله؛ صلاح الدنيا، ونعيم الآخرة، والنجاة من عذاب النار.
وأشار الأزهر إلى أن تكرار النبي ﷺ لهذا الدعاء في كل شوط يكشف عن عظمة الجانب الروحي في الحج، وأن الطواف ليس مجرد حركة ظاهرة، بل عبادة قلبية يعيش فيها المسلم حالة من التعلق الكامل بالله سبحانه وتعالى.
وبعد انتهاء النبي ﷺ من الطواف، اتجه إلى مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث تلا قول الله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}
وأوضح الأزهر أن النبي ﷺ رفع صوته بهذه الآية ليسمع الناس، تعليمًا للأمة وإرشادًا إلى السنن المرتبطة بالطواف والصلاة خلف مقام إبراهيم.
ثم جعل المقام بينه وبين الكعبة المشرفة، وصلى ركعتين خفيفتين، قرأ في الركعة الأولى سورة الفاتحة وسورة الكافرون، بينما قرأ في الركعة الثانية سورة الفاتحة وسورة الإخلاص.
ويؤكد العلماء أن هاتين الركعتين من السنن المؤكدة بعد الطواف، لما تحملهما من معاني التوحيد والإخلاص والاقتداء بخليل الله إبراهيم عليه السلام.
ولم تنتهِ المناسك عند هذا الحد، بل توجه النبي ﷺ بعد الصلاة إلى بئر زمزم، فشرب من مائها المبارك، ثم صبّ على رأسه الشريف.
ويُعد ماء زمزم من أعظم شعائر المسجد الحرام، وقد ارتبط في وجدان المسلمين بمعاني البركة والشفاء والرحمة، لذلك يحرص الحجاج والمعتمرون على الاقتداء بالنبي ﷺ في الشرب منه والدعاء عنده.
وأوضح الأزهر أن النبي ﷺ عاد بعد ذلك إلى الركن الأسود فاستلمه مرة أخرى، في صورة تجسد تعظيم شعائر الله والارتباط الروحي بالبيت الحرام.
وأشار المركز إلى أن النبي ﷺ بعد الانتهاء من الطواف وصلاة الركعتين والشرب من زمزم، اتجه إلى السعي بين الصفا والمروة، استكمالًا لمناسك الحج والعمرة.
واستشهد بما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
«أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة»
وهو الحديث الذي رواه الإمام البخاري، ويُعد من الأحاديث الجامعة التي نقلت تفاصيل ترتيب المناسك النبوية بدقة شديدة.
لماذا يحرص المسلمون على معرفة كيفية طواف النبي ﷺ؟
ويرى علماء الشريعة أن معرفة هيئة طواف النبي ﷺ ليست مجرد معلومات تاريخية تُروى، بل هي جزء أساسي من فهم العبادة الصحيحة والاقتداء الكامل برسول الله ﷺ.






