علي جمعة: طمأنينة النفس لا تُنال باتباع الشهوات بل بالرجوع إلى الله

أكد الدكتور علي جمعة أن الإنسان لا يمكن فهمه أو تفسيره من زاوية الجسد أو الغريزة أو الشهوة فقط، مشددًا على أن حصر الإنسان في رغباته المادية يُفقده حقيقته الكبرى التي خلقه الله من أجلها.
وأوضح أن بعض التصورات الحديثة تناولت النفس البشرية باعتبارها مجموعة من الرغبات المطلقة التي ينبغي إطلاقها دون ضوابط، وكأن سعادة الإنسان لا تتحقق إلا باتباع الهوى، بعيدًا عن الهداية الإلهية وتعاليم الوحي.
وأشار إلى أن هذا التصور يتعارض مع الرؤية القرآنية التي تنظر إلى الإنسان باعتباره مخلوقًا مكرمًا ذا رسالة وغاية، وليس مجرد كائن تحركه الغرائز والشهوات.
وبيّن أن القرآن الكريم حسم بوضوح الغاية من خلق الإنسان في قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، موضحًا أن مفهوم العبادة في الإسلام أوسع من الشعائر الظاهرة، إذ يشمل منهج حياة متكاملًا يقوم على معرفة الله وإقامة العدل وإعمار الأرض بالخير والرحمة.
وأكد أن هذا التصور يجعل الإنسان مسؤولًا عن سلوكه وتصرفاته، لا تابعًا لأهوائه، بل ملتزمًا بمنهج يضبط حركته ويهذب دوافعه.
وأشار الدكتور علي جمعة إلى أن الإنسان يحمل داخله نفسًا قد تدفعه إلى الغفلة والانحراف واتباع الشهوات، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾.
لكنه شدد على أن الإسلام لم يترك الإنسان أسيرًا لهذه النفس، بل دعاه إلى مجاهدتها وتهذيبها وتربيتها، حتى تنتقل من أسر الشهوة إلى فضاء السكينة والطمأنينة.
وأوضح أن طريق الإنسان إلى التوازن الداخلي يبدأ من مقاومة الهوى، والارتقاء بالنفس من حالة الاضطراب إلى حالة الصفاء الروحي.
ولفت عضو هيئة كبار العلماء إلى أن القرآن الكريم قدم نموذجًا للنفس التي بلغت أعلى درجات الاستقرار الروحي، وهي النفس المطمئنة التي قال الله عنها:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
وأوضح أن هذه النفس هي التي رضيت بالله ربًا، فامتلأت قلبًا باليقين والسكينة، ولم تعد تخضع لشهوة عابرة أو رغبة طارئة أو نزعة كِبر متسلطة.
وأضاف أن هذا المقام الروحي يجعل الإنسان أكثر إدراكًا لحقيقة الدنيا وزوالها، فيعيش متواضعًا، بعيدًا عن الغرور والتنافس على متاع زائل.
وتوقف الدكتور علي جمعة عند قوله تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾، موضحًا أن هذه الآية ترسم ملامح الإنسان المؤمن الذي عرف ربه فانعكس ذلك على سلوكه وتواضعه.
وبيّن أن المؤمن الحقيقي لا يتحرك في الأرض متكبرًا أو متعاليًا، بل يدرك أن الدنيا قصيرة، وأن من سبقوه على الأرض رحلوا جميعًا مهما بلغت قوتهم أو مكانتهم.
وأكد أن استحضار حقيقة الموت والآخرة يمنح الإنسان اتزانًا نفسيًا ورؤية أعمق للحياة، فيتحول إلى عنصر بناء وإصلاح، لا أداة فساد أو اعتداء.






