فاطمة صديق تكتب : الألوان ليست كما نظن

دعني أوضح شيئاً أولاً: الألوان ليست “شفرات” ثابتة كما تروج لها منشورات التواصل الاجتماعي، فليس صحيحاً أن الأزرق “يهدئ الجميع” والأحمر “يغضب الجميع”؛ هذا تبسيط مفرط.
الألوان ليست كما نظن
الحقيقة الأعمق أن الألوان هي مفاتيح تفتح أبواباً مختلفة في أدمغة مختلفة. وما يحدث عندما ترى لوناً معيناً ليس سحراً، هو أشبه بتاريخ.
العين البشرية تحتوي على ثلاثة أنواع من المستقبلات الضوئية الحساسة للأطوال الموجية القصيرة (زرقاء)، والمتوسطة (خضراء)، والطويلة (حمراء). وعندما يدخل الضوء إلى شبكية عينك، تتحول هذه الأطوال الموجية إلى إشارات كهربائية تنتقل إلى الجهاز الحوفي، مركز العواطف والذاكرة.
وهنا يكمن السر: اللون يثير الذاكرة قبل أن يثير الشعور.
عندما ترى اللون الأخضر، لا يحدث تفاعل كيميائي مباشر يقول “اهدأ”. ما يحدث هو أن هذا التردد الضوئي يستدعي كل المرات التي رأيت فيها أشجاراً أو عشباً. دماغك يعيد تشغيل تسجيل قديم: “هذا يعني ماء، ظل، أمان”. هذا التسجيل يحمل معه إفرازاً خفيفاً للسيروتونين؛ ليس لأن الأخضر سحري، بل لأن أسلافك الذين أحبوا الأخضر عاشوا.
نفس المنطق ينطبق على الأزرق: السماء الصافية والماء النظيف يعطيان معنى واحداً وهو: “لا خطر وشيك”.
لكن اللون نفسه يمكن أن يُقرأ بشكل مختلف حسب سياقك الثقافي وتجربتك الشخصية. فمثلاً، شخص نجا من فيضان قد يثير الماء (الأزرق) لديه الكورتيزول وليس السيروتونين. وشخص نشأ في بيت أصفر دافئ ومليء بالضحك، قد يريحه الأصفر بينما يزعج غيره.
لهذا السبب، علم الأعصاب المعاصر لا يتحدث عن “معاني الألوان” بل عن “التفضيلات اللونية المستندة إلى التجربة” ؛ فالألوان أدوات وليست قوالب جاهزة، ويجب أن تعرف متى تستخدمها ومع من.
فى النهاية الأمر بسيط
الألوان من حولك تهمس لدماغك ، ليس المطلوب أن تصبح مصمماً محترفاً، المطلوب فقط أن تنتبه.
لأن العقل الذي تفكر به الآن يعيش في المكان الذي أنت فيه، فإذا أردت أفكاراً أفضل، ابدأ بما تراه قبل أن تبدأ بما تفكر فيه.






