علاء عبدالله يكتب: حين تتحول القيم إلى بوصلة للإنسان.. هل تستطيع الأخلاق قيادة عصر التكنولوجيا؟

في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد المشكلة الحقيقية في قدرة الإنسان على ابتكار أدوات جديدة، وإنما في الطريقة التي يستخدم بها هذه الأدوات والغاية التي يوجهها إليها، ومن هنا تأتي أهمية الرؤية الفكرية التي يطرحها المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي حول المقاصد العليا للقرآن، باعتبارها منظومة قيمية قادرة على منح الإنسان ميزانًا ثابتًا وسط عالم متغير.
الفكرة الأساسية التي تستوقفني في هذا الطرح هي أن القرآن لا يقدم للإنسان كتيبًا للتفاصيل التقنية، ولا يحدد للطبيب طريقة إجراء عملية جراحية أو للمهندس كيفية تشييد جسر، وإنما يضع أمام الإنسان إطارًا أخلاقيًا يستطيع من خلاله توجيه المعرفة والعلم والاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا نحو خدمة الإنسان.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية التمييز بين الأداة والغاية؛ فالأداة في حد ذاتها لا تحمل الخير أو الشر، وإنما تتحدد قيمتها وفق الطريقة التي يستخدمها بها الإنسان، فالمال يمكن أن يكون وسيلة للبناء والتنمية، وقد يتحول إلى أداة للاستغلال، والتكنولوجيا يمكن أن تفتح أبوابًا واسعة أمام التقدم، لكنها قد تتحول أيضًا إلى وسيلة للضرر إذا غابت عنها الضوابط الأخلاقية.
ولعل الذكاء الاصطناعي يمثل أوضح نموذج لهذه المعادلة في عصرنا الحالي، فهو يحمل إمكانات هائلة في التعليم والطب والاقتصاد والبحث العلمي، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة عميقة حول الخصوصية والعدالة وتأثير التكنولوجيا على الإنسان ومستقبل المجتمعات، ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: إلى أي مدى نستطيع تطوير التكنولوجيا؟ وإنما: إلى أين نريد أن تقودنا هذه التكنولوجيا؟
ومن هنا تأتي قيمة العدل والرحمة والحرية والكرامة والسلام، باعتبارها ليست شعارات نظرية، وإنما معايير يمكن أن توجه القوة البشرية وتحدد مسار استخدامها.
فالعدل، على سبيل المثال، لا يقتصر على ساحات القضاء، بل يمتد إلى الحكم والاقتصاد والتعليم والعلاقات بين الدول، فعندما يحضر العدل في الحكم، يتراجع الاستبداد، وعندما يحضر في الاقتصاد تقل فرص الاستغلال، وعندما يحضر في التعليم تتسع دائرة تكافؤ الفرص، وعندما يحكم العلاقات الدولية تتراجع دوافع الهيمنة والصراع.
وهذا ما يجعل القيمة الواحدة قادرة على إنتاج تطبيقات متعددة في مختلف جوانب الحياة، فالعدل إذا اجتمع مع الرحمة والحرية والسلام والكرامة، يتحول من مفهوم مجرد إلى منظومة متكاملة يمكن أن تؤثر في سلوك الفرد والمؤسسة والدولة.
واللافت أيضًا في هذا الطرح أنه يجيب عن واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في العصر الحديث: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على ثوابته الأخلاقية في ظل التطور المتسارع؟، والإجابة هنا أن ثبات القيم لا يعني أبدًا ثبات التطبيقات، فالعالم يتغير، والتكنولوجيا تتطور، والأدوات تتبدل، لكن الإنسان يظل في حاجة إلى العدل والكرامة والرحمة والسلام. وبالتالي فإن القيمة الثابتة تصبح بمثابة ميزان نستطيع من خلاله تقييم كل جديد.
عند ظهور تقنية جديدة، يمكن ببساطة أن نطرح عليها مجموعة من الأسئلة: هل تحقق العدل أم تزيد الظلم؟ هل تحافظ على كرامة الإنسان أم تنتقص منها؟ هل تجلب الخير أم تزيد الضرر؟ هل تدعم السلام أم تسهم في العدوان؟ وهل توسع مساحة المعرفة والاختيار أم تتحول إلى وسيلة للسيطرة على الإنسان؟، هذه الأسئلة تجعل الأخلاق ليست عائقًا أمام التطور، بل ضمانة لاستقامة مساره.
وهنا نصل إلى قضية أكثر اتساعًا، وهي أن الحضارة لا يمكن أن تقاس فقط بحجم الثروة أو عدد المصانع أو مستوى التكنولوجيا، فقد تمتلك دولة أحدث التقنيات وأضخم الموارد، لكنها تظل عاجزة عن بناء مجتمع إنساني إذا غابت عنها الرحمة والعدالة والكرامة.
فالتقدم المادي وحده لا يصنع حضارة مكتملة؛ الحضارة الحقيقية تبدأ عندما تصبح المعرفة والثروة والتكنولوجيا أدوات للبناء والعمران، لا وسائل للهيمنة والإقصاء والصراع، وهذه الرؤية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، لأن الحاجة إلى العدل والرحمة والكرامة ليست حكرًا على شعب أو مجتمع. فالإنسان، أيًا كان وطنه أو لغته أو ثقافته، يحتاج إلى الأمن والحرية والاحترام والعدالة.
ومن هنا تكتسب الرسالة التي يستند إليها هذا الطرح بعدها الإنساني الواسع، خاصة في ضوء قوله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”؛ فالمعنى لا يتوقف عند حدود جماعة بعينها، وإنما يحمل دلالة إنسانية تجعل الرحمة قيمة ممتدة إلى العالم كله، لكن تبقى المشكلة الأصعب في الانتقال من الفكرة إلى التطبيق، فكم من القيم الجميلة نرددها، وكم من المبادئ نتحدث عنها، ثم لا نجد لها أثرًا حقيقيًا في سلوكنا اليومي أو في مؤسساتنا وعلاقاتنا؟
وهنا تبرز أهمية تحويل القيم إلى ممارسة، والبداية تكون بفهم النص والمقاصد، ثم استيعاب هذه القيم على المستوى الفردي، وبعد ذلك نقلها إلى المؤسسات والمجتمع والعلاقات بين الدول، فالعدل الذي لا يظهر في تعاملاتنا اليومية يظل مجرد كلمة، والرحمة التي لا تنعكس على سلوكنا تتحول إلى شعار، والسلام الذي لا يتحول إلى ثقافة وممارسة لن يكون أكثر من أمنية.
ومن وجهة نظري، فإن القيمة الأهم في هذا الطرح هي أنه يعيد وضع الإنسان في مركز معادلة التطور، فالمشكلة ليست في أن نمتلك أدوات أكثر قوة، وإنما في أن نمتلك من الوعي ما يكفي لاستخدام هذه القوة بطريقة تحمي الإنسان ولا تهدمه، وفي عصر الذكاء الاصطناعي والثورات العلمية المتلاحقة، ربما أصبح السؤال الأخلاقي أكثر أهمية من أي وقت مضى: هل نحن نمتلك التكنولوجيا فقط، أم نمتلك أيضًا البوصلة التي تمنعنا من استخدامها في الاتجاه الخطأ؟
إن مستقبل الحضارة لن تحدده التكنولوجيا وحدها، بل ستحدده القيم التي توجه التكنولوجيا، ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الإنسان المعاصر ليس أن يصنع آلة أكثر ذكاءً، وإنما أن يصنع عالمًا أكثر عدلًا ورحمة وكرامة وسلامًا.
وفي النهاية، يضعنا هذا الطرح أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها: إذا كانت أدواتنا تتطور كل يوم، فهل تتطور معها قدرتنا على توجيهها أخلاقيًا؟ وهل نملك فعلًا الميزان الذي يجعل تقدمنا وسيلة لبناء حضارة إنسانية، لا مجرد امتلاك المزيد من القوة؟.





