علاء عبدالله يكتب: تحرير العقل يبدأ من القرآن.. رسالة فكرية من بنين تفتح بابًا واسعًا أمام سؤال التجديد

في مشهد يعكس اتساع دائرة النقاش حول الخطاب الديني والفكري، انتقل مقال المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي “دعوة الله لتحرير العقول” من صفحات النشر إلى مساحة تعليمية في دولة بنين، حيث قدم الشيخ نور الدين إيلبيدي مدير معهد النور التعليمي الإسلامي، درسًا حول أبرز أفكار المقال أمام الحاضرين في ملعب نادي بورتو بمدينة كيتو، قبل أن تتم ترجمة مضمونه إلى لغة اليوروبا، في محاولة لإيصال الفكرة إلى جمهور محلي بلغته وثقافته.
واللافت في هذه التجربة أن الموضوع المطروح لا يتوقف عند قضية دينية محددة، وإنما يفتح نقاشًا أوسع حول علاقة الإنسان بعقله، وموقفه من التراث، وطريقة تعامله مع الأفكار التي ورثها عن الأجيال السابقة، وهي قضية شديدة الأهمية في ظل عالم يتغير بصورة متسارعة بفعل التكنولوجيا والعلوم والإنترنت والذكاء الاصطناعي.
وينطلق الشرفاء من الآية القرآنية: “تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون”، ليبني عليها رؤيته الأساسية التي تقوم على أن الإنسان مسؤول عن اختياراته وأعماله، وأن الماضي ينبغي أن يكون مصدرًا للعبرة والمعرفة، لا قيدًا يمنع الحاضر من التفكير ويغلق الطريق أمام المستقبل.
وهنا تكمن الفكرة الأبرز في المقال: تحرير العقل من التبعية العمياء، فالكاتب يرى أن المشكلة لا تكمن في الاستفادة من تراث السابقين، وإنما في تحويل أقوالهم إلى مرجع لا يقبل النقاش أو المراجعة، بحيث يصبح الإنسان أسيرًا لتفسيرات واجتهادات نشأت في ظروف تاريخية مختلفة، ثم تُفرض عليه باعتبارها حقائق نهائية لا يجوز الاقتراب منها.
ويدعم الكاتب رؤيته بالاستناد إلى مطلع الوحي، وتحديدًا الأمر بالقراءة والتعلم، معتبرًا أن “اقرأ” ليست مجرد بداية لسورة، وإنما تحمل دلالة واسعة على أهمية المعرفة واستخدام العقل والبحث والاكتشاف، ومن هذه الزاوية، يربط المقال بين التدين الحقيقي وبين العلم، ويرى أن بناء المجتمعات لا يمكن أن يتم بعقل مغلق، وإنما بعقل قادر على التعلم والتجربة والبحث عن حلول للمشكلات التي تواجه الإنسان.
وتزداد أهمية هذه الفكرة في عصرنا الحالي، الذي أصبح فيه الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والعلوم الحديثة جزءًا أساسيًا من حياة البشر. فالتحديات المتعلقة بالمناخ والغذاء والصحة والمياه والطاقة لا يمكن مواجهتها بمجرد استدعاء إجابات الماضي، وإنما تحتاج إلى عقول قادرة على البحث والابتكار وتطوير أدوات جديدة تتناسب مع الواقع المتغير.
ومن هنا يضع المقال العلم في موقع لا يتعارض مع الدين، بل يعتبره أحد مسارات توظيف العقل الذي منح الله للإنسان، فالقراءة والتعلم والبحث والاكتشاف، وفق هذا التصور، ليست أنشطة منفصلة عن الإيمان، وإنما يمكن أن تكون جزءًا من مسؤولية الإنسان في إعمار الأرض وتحسين حياته وحياة مجتمعه.
لكن المقال لا يكتفي بالدعوة إلى العلم، بل ينتقل إلى قضية أكثر حساسية، وهي علاقة الإنسان بالموروث الديني، فالكاتب ينتقد ما يراه إفراطًا في تقديس بعض الأشخاص والأئمة والفقهاء والرواة، ويحذر من أن يتحول الإنسان من متدبر للنص إلى مجرد تابع لأقوال الآخرين.
وهنا تظهر إحدى أكثر الأفكار إثارة للجدل في المقال، وهي الدعوة إلى إعادة العلاقة المباشرة مع القرآن، بحيث لا يصبح الإنسان أسيرًا لتفسير واحد أو رواية واحدة أو سلطة فكرية بعينها، ويستند الكاتب إلى الآيات التي تحث على التدبر والتفكر والعقل ليؤكد أن الإنسان يمتلك أدوات تمكنه من التفكير والتمييز وتحمل مسؤولية اختياراته.
والرسالة هنا لا تعني بالضرورة رفض التاريخ أو إلغاء التراث، فالمقال نفسه يوضح أن القرآن لا يرفض الاستفادة من الأمم السابقة، وإنما يرفض أن يتحول الماضي إلى سجن، وهذه نقطة مهمة لأن الفرق كبير بين أن نقرأ التاريخ لنتعلم منه، وبين أن نجعل كل ما أنتجه السابقون غير قابل للمراجعة.
فالتراث، مثل أي إنتاج بشري يحمل خبرات واجتهادات وظروفًا تاريخية، والاستفادة منه لا تعني بالضرورة التسليم بكل ما ورد فيه، كما أن نقد بعض جوانبه لا يعني تجاهل قيمته التاريخية والثقافية، وهذه المساحة بين التقديس والرفض الكامل هي التي تحتاج إلى نقاش هادئ قائم على البحث والدليل.
ويذهب المقال كذلك إلى نقد بعض الممارسات المرتبطة بالتوسل بالأولياء وأصحاب الأضرحة، ويرى أن الدعاء والرجاء ينبغي أن يتجها إلى الله وحده، وهنا يستند الكاتب إلى مجموعة من الآيات التي تؤكد، وفق قراءته، أن الإنسان لا ينبغي أن يجعل بينه وبين الله وسطاء يعتقد أنهم يملكون له النفع أو الضر.
ومرة أخرى، فإن هذا الطرح يضع قضية “تحرير العقل” في قلب المسألة؛ فالكاتب يرى أن الإنسان عندما يمنح شخصًا ما مكانة تمنعه من المراجعة والنقد، فإنه يتنازل عن جزء من مسؤوليته العقلية، ويتحول من باحث عن الحقيقة إلى تابع.
ويصل المقال إلى فكرة أخرى محورية، وهي أن المسؤولية الدينية فردية في نهاية المطاف، فالإنسان، وفق الرؤية التي يقدمها الشرفاء، لن يستطيع أن يلقي مسؤولية اختياراته على شيخ أو عالم أو مفسر أو جماعة، لأن الحساب سيكون على ما قدمه هو من عمل.
وهذه الفكرة تحمل بعدًا أخلاقيًا واضحًا لأنها تجعل الإنسان مسؤولًا عن قراراته وتدفعه إلى عدم الاختباء خلف الآخرين، فلا يكفي أن يقول الفرد إنه اتبع فلانًا أو وجد آباءه على طريق معين، وإنما عليه أن يستخدم عقله ويتحقق ويبحث ويختار.
ومن هنا يمكن فهم ارتباط عنوان المقال “دعوة الله لتحرير العقول” بمضمونه كله، فالتحرير المقصود ليس مجرد التحرر من فكرة أو شخص، وإنما تحرير الإنسان من الخوف الفكري، ومن الاعتقاد بأن التفكير حق محفوظ لفئة دون غيرها، ومن تحويل الاجتهاد البشري إلى حقيقة مطلقة.
كما أن المقال يقدم تصورًا للإسلام باعتباره دينًا يحث الإنسان على المعرفة والتدبر وتحمل المسؤولية، وليس مجرد مجموعة من الموروثات التي يتم تكرارها دون فهم، وهي رؤية تضع العقل في موقع أساسي داخل التجربة الدينية، وتعتبر أن الإيمان لا ينبغي أن يكون نقيضًا للتفكير، بل يمكن أن يدفع الإنسان إلى مزيد من البحث والمعرفة.
وتكتسب تجربة تقديم هذا المقال في بنين أهمية خاصة لأنها تظهر أن هذه الأفكار لم تعد محصورة في المجال العربي، بل بدأت تصل إلى بيئات ثقافية ولغوية مختلفة، وترجمة المقال إلى لغة اليوروبا تحديدًا تعني أن النقاش حول العقل والتراث والقرآن يمكن أن يجد طريقه إلى جمهور جديد، بعيدًا عن السياق العربي المباشر.
لكن انتشار أي خطاب فكري، خصوصًا عندما يتعلق بالدين، يفرض مسؤولية مقابلة تتمثل في إتاحة المجال للنقاش والحوار وعدم تقديم الرأي الشخصي باعتباره نهاية المطاف، فالأفكار التي تتناول تفسير النصوص الدينية تحتاج إلى قراءة متأنية، وإلى الاستماع إلى مختلف الاتجاهات والمدارس، لأن الاختلاف في فهم النصوص الدينية قضية قديمة وممتدة.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية في مثل هذه المبادرات ليست فقط في نشر فكرة بعينها وإنما في خلق مساحة للحوار حولها، فالدعوة إلى استخدام العقل تصبح أكثر قوة عندما تقترن بتقبل النقاش، واحترام الاختلاف، والاحتكام إلى الدليل، والابتعاد عن تحويل الاختلاف الفكري إلى صراع أو إقصاء.
وفي النهاية، يمكن القول إن مقال “دعوة الله لتحرير العقول” يطرح سؤالًا يتجاوز حدود الدين والتراث، ليصل إلى جوهر حياة الإنسان: هل نعيش وفق ما نفكر فيه ونختاره، أم وفق ما اختاره لنا الآخرون؟
فالمجتمع الذي يريد أن يصنع مستقبله يحتاج إلى إنسان يقرأ، ويتعلم، ويسأل، ويبحث، ويختبر، ولا يخشى من مراجعة أفكاره، وفي الوقت نفسه، يحتاج هذا الإنسان إلى أخلاق تحكم استخدام المعرفة والعقل، حتى لا يتحول التقدم العلمي نفسه إلى أداة للضرر.
ولعل الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من المقال أن تحرير العقل لا يعني قطع الصلة بالماضي، وإنما يعني وضع الماضي في مكانه الصحيح: تجربة إنسانية يمكن التعلم منها، دون أن تتحول إلى قيد يمنع الإنسان من صناعة حاضره ومستقبله.
وبين دعوة “اقرأ” التي يستهل بها الكاتب رؤيته، ودعوات القرآن المتكررة إلى التدبر والتفكر والتعقل، يضع المقال الإنسان أمام مسؤوليته الأساسية: أن يستخدم ما منحه الله من عقل، وأن يبحث عن الحقيقة، وأن يتحمل نتيجة اختياراته، وأن يجعل المعرفة وسيلة للبناء لا للتعصب.
وهكذا يصبح المشهد الذي شهدته مدينة كيتو في بنين أكثر من مجرد درس تعليمي حول مقال فكري؛ فهو صورة مصغرة لنقاش أكبر حول مستقبل الخطاب الديني، وحدود سلطة التراث، ودور العقل في فهم النص، وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على هويته وقيمه، وفي الوقت نفسه يفتح أبواب المعرفة أمام المستقبل.





