المزيدمقالات
أخر الأخبار

قصيدة المعنى والشعر الجديد المعاصر

 

حاتم عبدالهادي السيد
عصو اتحاد كتاب مصر

وتتوسل قصيدة المعنى تطويع ” اللغة “لتجعلها” فرس رهان” وشاهد على انتضام رؤيوية المعنى لدى الشاعر، ويقظته الشاعرة التي تنشد ” تشاركية القارىْ”عبر الراوي، السارد، الحكاء القديم، بما يجعلنا نؤكد لعبة ” تكاملية الأجناس الأدبية” في رفد القصيدة الجديدة بمدلولات أكثر حدساً، ولا يقينية، للتدليل إلى اللابرهان الروحي، عبر مخيال اللغة المكتنز؛ وعبر تدورات المعنى المابعد حداثي، الإحالى؛ الذى يعتمد الإزاحة، ليزيل ” ظاهرية المعنى”، إلى ما ورائياته الكامنة فيه، وتلك لعمرى تعادلية تصنعها “لغة الترادف”، و”اللغة الإشارية” عبر البلاغة الجديدة التي تحيلنا إلى تأول المعنى الماورائي لنعقد تشكّلات رؤيوية، أكثر حداثوية، عبر التشكيل البصرى، الذى صنعته الإزاحة، والمفارقة، والمعانى الثوانى، أو المعنى الثالث الذى تصنعه الرؤيوية للبلاغة الجديدة، بين ما هو متخيل – لدى القارىء- وبين النص/القصيدة، لنسأل عمن سرق المشار إليه في القصيدة؛ على حد رؤيوية ” رولان بارت ” ، وغيره .

وليس معنى انتصارنا للغة – هنا –إننا نتحدث عن ” قصيدة اللغة ” – فحسب – بل نضيف إليها تشكلات المعاني عبر تقنية التبادل؛ فاللعبة الجديدة تعتمد الصورة والظل، وتداعيات الألوان، ولا نقصد الصورة التشكيلية / البصرية بذاتها، بقدر ما نركز هنا على بنية المعنى الاحالي وعلاقاته الرامزة التي نتأولها، كأفق كوني، لنتشارك والشاعر في تصورات الذهنية عنده، ونعبر بالمعنى الجمالي للصورة إلى آفاق أكثر حداثوية، كذلك.

فالمعني – هنا – هو الذي يخلق التوتر، ويحدد مشروعيات للجمال الفيزيائي، وللصورة الفيزيقية المتراءاة .
كما يستخدم شاعر قصيدة المعنى” بنائية التكرار”، للولوج إلى معانٍ جديدة في قصيدته ليحيلنا إلى واقع معاش، عبر مرموزات متتابعة، أيقونية، فهو لا يأدلج القصيدة، بل يصنع لها عدة مرافىء لتعبر اللغة والصورة إلى المعنى المختفي؛ أو” المعنى السرَّي” الذى تغياه”، هو، وتأولناه نحن؛ عبر فيوضات المخيال الكوني، واحالاته السيموطيقية التي تحيلنا إلى الذات والكون والعالم والحياة .

فقصيدة المعنى تجمع المعطى الكوني والذاتي، والابستمولوجي لتشكل ” فلسفة وذاتية جوهرها، حيث فلسفة الشاعر ملتبسة بالوجود الكوني، والفراغ، لا معنية بكتلة، ولا مُحدَّة بزمكانية تؤطرها، خلف” أيديولوجيات” النوع النووي”، بل تعبر سدم الكون والمجرات إلى ثقوب متناثرة في أطراف العالم المُتشظي، وتصنع بنائيتها عبر التفكيك والعراء والمعاني والظلال.

والشاعر في قصيدة المعنى يتوارى خلف النشيج، وخلف ظلال الألوان، والمعاني، ليترك لجنوح الخيال آفاقاً أكثر دهشة، عبر رؤيوية متصوف، أو جوال يجر عربة الحياة إلى لا نهائي ممتد .

وهنا لا أدًّعي أنني أتيت بنظرية أو مدرسة عربية جديدة لعلم “القراءة الأدبي”، وإن كنت قد نشدت، وتَغَيَّيتُ ذلك، لكنها اجتهادات نظرية، أرفدها بالتطبيق العملي، – ولعمري – فقد انتهجت هذه الطريقة القرائية لما أطلقت عليها قصائد المعني، لأنشد تجديدية في الشعر والنقد معاً، وطبقت ما رأيته علي بعض الدواوين والقصائد، وتوصلت إلي نتائج أكثر ادهاشاً في تفكيك المعاني المستغلقة عبر استخدامات ودمج بعض المدارس الأدبية مثل: البنيوية والتفكيكية والتركيبية عبر التأويل، لأتهجى منطقة جديدة تبتعد عن علمية الأدب، التي تنتهجها البنيوية، ولا علمية اللغة التي تنتهجهها التفكيكية ،ولنأخذ من الحداثة وما بعد الحداثة منطلقاً تغايرياً لقراءة جديدة للنص الأدبي، وقد اعتمدت منهجية القراءة الأدبية للنص من عدة رؤي، وعبر مدارس ومذاهب عديدة، فأنا أنادي هنا بموت المدرسة الأدبية والمذاهب، وسقوط النظرية مقابل أن ننتصر للنص الأدبي الذي يطرح رؤيويته عبر تعددية النهج القرائي ، وعبر خضم كثرة المذاهب والمصطلحات، والمدارس والنظريات، فلربما نؤطر لمنهاجية عربية لقراءة النص الأدبي بنكهة شرقية عربية، وبمنطلقات ما بعد حداثية، تنتهج عدم القطيعة مع التراث والموروث العربي، وفي نفس الوقت عدم القطيعة مع المنجز النقدي والأدبي العالمي، كي لا نتأخر عن الركب الأممي العالمي من جهة، وليخرج ابداعنا النقدي والأدبي -بنكهة أكثر حضارية- تجمع بين الأصالة والمعاصرة وتنظر للآخر برؤي أكثر احتراماً وصدقية، منطلقين من مسألة التجاور واحترام ثقافات الأمم والشعوب عبر الكونية وحوار الثقافات والحضارات نستفيد ونفيد، ونأخذ ونعطي، ولنعبر جسر عالم التقنيات والفضاءات المفتوحة والكوكبية، وما بعد الحداثة وغيرها بنكهة الشرق العربي الإسلامي، المابعد حداثي الجديد. فإن وفقت فهذا حسبي ومبتغاي. وإن يكن غير ذلك فإن التجريب يتم الاستشراف له بعد نضوج الفكرة، وصدق الفرض والمنهج والمعيار، وليكن لنا ابداع ونقد بنكهة عربية مغايرة، تجمع بين علمي: الاستشراق والاستغراب، وبين القديم والمعاصر، والموروث وما بعد الحداثي، لنستشرف أفقاً جديداً. ولم لا؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى