
في وقت تتواصل فيه المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران برعاية إقليمية، بدأت دوائر إسرائيلية تتحدث عن مرحلة جديدة في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وسط مخاوف من تراجع الدعم الأمريكي التقليدي للمواقف الإسرائيلية تجاه إيران. وفي هذا السياق، اعتبر موقع +972 Magazine الإسرائيلي أن الاتفاق والمحادثات الجارية يمثلان تحولًا سياسيًا شاملاً وغير مسبوق في موازين القوى الإقليمية، وينذران بإعادة صياغة قواعد التعامل مع الملف الإيراني.
انتهاء مرحلة “الدعم الأمريكي المطلق”
أوضح الموقع أن المفاوضات الأخيرة كشفت عن تغير واضح في النهج الأمريكي، إذ لم يعد التصور الإسرائيلي القائم على اعتبار إيران تهديدًا وجوديًا، وأن أي عمل عسكري ضدها أو ضد حلفائها يحظى تلقائيًا بدعم واشنطن، يحظى بالقبول الأمريكي الحاسم كما كان في السابق.
وأشار إلى أن المباحثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران دون إطلاع إسرائيل عليها تمثل تطورًا لافتًا، لما لها من انعكاسات مباشرة على الأمن القومي الإسرائيلي، فضلًا عن تأثيرها المحتمل على الأوضاع الاقتصادية والسياسية داخل إسرائيل.
السياسة الأمريكية
ورأى التقرير أن تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، التي قال فيها إن “جميع مشكلات الأمن القومي لا يمكن حلها بالقتل”، حملت رسالة مباشرة للحكومة الإسرائيلية، وتعكس تغيرًا في طريقة تعاطي الإدارة الأمريكية مع السياسات العسكرية الإسرائيلية.
وأضاف أن هذه التصريحات تعد من أكثر المواقف الأمريكية وضوحًا في انتقاد النهج الذي تتبعه الحكومة الإسرائيلية، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا على وجود رؤية أمريكية مختلفة لإدارة الصراع في المنطقة، تعتمد بصورة أكبر على المسار الدبلوماسي.
شعور بالخيانة
وبحسب التقرير، فإن تغطية وسائل الإعلام الإسرائيلية للمفاوضات الأمريكية الإيرانية اتسمت بحالة من القلق والاستياء، إذ وصفت غالبية وسائل الإعلام ما جرى بأنه تطور تم بعيدًا عن إسرائيل، ما عزز شعورًا متزايدًا بالعزلة السياسية.
وأضاف أن عددًا من المعلقين، خاصة المنتمين إلى تيارات اليمين واليمين الديني، لم يترددوا في توجيه انتقادات مباشرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متهمين إياه بـ”التخلي عن إسرائيل” وتفضيل التفاهم مع إيران على حساب المصالح الإسرائيلية.
وأشار الموقع إلى أن هذه الانتقادات تعكس حجم الصدمة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، التي اعتادت على تنسيق كامل مع الإدارات الأمريكية في الملفات المرتبطة بإيران.
إجماع داخل إسرائيل
ورغم الانتقادات الموجهة إلى واشنطن، أكد التقرير أن هناك توافقًا واسعًا داخل إسرائيل بشأن المرحلة المقبلة، يتمثل في ضرورة الاعتماد على القدرات الذاتية لمواجهة النفوذ الإيراني.
وأوضح أن الرأي السائد داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية يرى أن التزام إيران – من وجهة النظر الإسرائيلية – بمواصلة دعم خصوم إسرائيل في المنطقة، يفرض على تل أبيب مواصلة عملياتها الأمنية والعسكرية دون انتظار غطاء أمريكي.
وأضاف التقرير أن المهمة الأساسية لإسرائيل خلال المرحلة المقبلة ستكون البحث عن آليات تضمن أمنها بشكل مستقل، في ظل ما تعتبره تراجعًا في مستوى الالتزام الأمريكي بمواقفها.
النصر الكامل
واستشهد التقرير بتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مقابلة مع القناة 14 الإسرائيلية، عندما سُئل عن موعد انتهاء الحرب.
ورد نتنياهو قائلًا: “السعي لتحقيق النصر الكامل لن ينتهي أبدًا، وإذا أردت أن تعيش في العالم وفي الشرق الأوسط، فعليك أن تكون قويًا جدًا.”
ورأى الموقع أن هذه التصريحات تلخص الرؤية الإسرائيلية الحالية، التي تقوم على استمرار العمل العسكري والأمني باعتباره الخيار الوحيد لضمان الأمن، حتى في ظل تغير المواقف الأمريكية وتزايد الرهان على الحلول الدبلوماسية.
مخاوف من مرحلة إقليمية جديدة
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن المفاوضات الأمريكية الإيرانية لا تمثل مجرد جولة جديدة من التفاوض، وإنما قد تكون بداية لمرحلة مختلفة في توازنات الشرق الأوسط، مع احتمال إعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة في المنطقة.
وأضاف أن هذا التحول يثير قلقًا متزايدًا داخل إسرائيل، التي تخشى أن تجد نفسها مضطرة إلى التعامل منفردة مع التحديات الأمنية، في وقت تبدو فيه واشنطن أكثر ميلًا إلى خفض التصعيد والانخراط في تسويات سياسية مع طهران، وهو ما قد ينعكس على شكل التحالفات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.





