الظلام الذي لم يأتِ: حين تسبق الشائعة الحقيقة… وتنتصر “السوشيال ميديا” على الفلك

كتبت: رانيا سمير
في صباح الخميس، استيقظت منصات التواصل الاجتماعي على “تحذير كوني”، أو هكذا بدا الأمر. منشورات عديدة اجتاحت فيسبوك وتويتر، تزعم أن مصر ستدخل في ظلام كامل خلال ساعات النهار، بسبب “كسوف شمسي نادر” سيغرق البلاد في سواد مفاجئ، ويحول النهار إلى ليل دامس لبضع دقائق. البعض تحدّث عن “ظاهرة مرعبة”، وآخرون حذّروا من “خروج الأطفال أو النساء الحوامل وقت الكسوف”، فيما تبادل آخرون صورًا مركّبة وفيديوهات قديمة لكسوفات سابقة، على أنها “بث مباشر من الأقصر”.
“استعدوا.. النور هينطفي”، كتب أحد المستخدمين.
“أول مرة تحصل كده، كسوف كامل لمدة 6 دقايق، اتفرجوا من دلوقتي”، أضاف آخر، بينما انتشر منشور يحذر من النظر إلى الشمس في “كسوف اليوم”، بل ويتحدث عن تغييرات بيئية محتملة.
وعلى الرغم من أن هذه المنشورات حققت آلاف المشاركات والتعليقات، وخلقت حالة من القلق الممزوج بالإثارة لدى بعض المتابعين، فإن كل ذلك لم يكن سوى انعكاسًا لقوة الشائعة حين تُروّج دون تحقق، خاصة حين تُغلّف بلمسة من العلم الكاذب.
البحوث الفلكية: “لا كسوف اليوم… ولا ظلام في سماء مصر”
وسط هذه الموجة، خرج الدكتور أحمد غطاس، نائب رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية، في تصريحات له لينفي تمامًا ما تم تداوله. في تصريح رسمي، قال غطاس: “ما ينشر عن حدوث ظلام في مصر اليوم، عارٍ تمامًا من الصحة. لا يوجد أي كسوف شمسي في مصر خلال هذا العام 2025، وما يُتداول هو معلومات خاطئة ومضللة.”
وأوضح غطاس أن مثل هذه الشائعات تظهر كل فترة على خلفية خلط بين الظواهر الفلكية الحقيقية وأخرى مستقبلية لم تحدث بعد، مشددًا على أهمية الرجوع إلى المصادر العلمية المعتمدة لتجنّب إثارة البلبلة بين المواطنين.
ولكن ماذا عن الكسوف الحقيقي؟
المعلومة الحقيقية الوحيدة في سيل المنشورات المضللة، تعود إلى ظاهرة فلكية نادرة ستحدث بالفعل، ولكن بعد أكثر من عامين من الآن: في 2 أغسطس 2027 وفقًا لبيانات وكالة «ناسا» ومركز «Time and Date»، ستشهد مصر وعدد من دول العالم أطول كسوف كلي للشمس في القرن الحادي والعشرين، بمدة تصل إلى 6 دقائق و23 ثانية. ستكون محافظة الأقصر في قلب هذا الحدث، حيث سيُغرقها ظل القمر في ظلام نهاري استثنائي، ضمن مشهد سماوي لن يتكرر قبل مرور قرن تقريبًا.
ينطلق مسار الكسوف الكلي من فوق المحيط الأطلسي، ثم يعبر مضيق جبل طارق وجنوب إسبانيا، قبل أن يدخل شمال إفريقيا، حيث يعبر المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، ومصر، ثم يمر عبر السودان، السعودية، اليمن، الصومال، ويواصل طريقه إلى المحيط الهندي. وسيكون المسار بعرض نحو 170 ميلًا (حوالي 270 كم)، ليغطي مناطق مكتظة بالسكان، مما يمنح ملايين الأشخاص فرصة مباشرة لرؤية الحدث بأعينهم.
في السعودية، سيمر الكسوف الكلي فوق مدينتي جدة ومكة المكرمة، فيما سيغطي الكسوف الجزئي مناطق في الجنوب الإيطالي وجزيرة لامبيدوزا.
هذا الكسوف سيحدث عندما تكون الأرض في الأوج (أبعد نقطة عن الشمس) والقمر في الحضيض (أقرب نقطة من الأرض)، مما يجعل حجم القمر الظاهري كبيرًا بما يكفي ليغطي الشمس بالكامل، بينما تتحرك ظلاله ببطء نسبي فوق مناطق مثل الأقصر وأسوان وقنا، محدثًا أطول مدة للكسوف الكامل على كوكب الأرض خلال القرن الحالي.
السوشيال ميديا
رغم النفي ، وغياب أي ظاهرة فلكية حقيقية اليوم، إلا أن منصات التواصل الاجتماعي استمرت في تداول المنشورات، مع حالة انقسام بين جمهور مصدّق وآخر ساخر.
أحد المستخدمين كتب:“أنا بصيت من البلكونة، لقيت الشمس ساطعة. الظلام عندكم أنتم بس.”
بينما علّق آخر بتهكّم:“الناس مصدقة إن في كسوف وهي مش عارفة الفرق بين الكسوف والخسوف أصلاً.”
إحدى الصفحات سخرت من الهلع الرقمي قائلة:“الناس مستعدة ليوم القيامة بسبب بوست مجهول عن ظلام كامل… وبتقول ليه الشمس طلعت؟!”
وفي المقابل، أظهر البعض اهتمامًا حقيقيًا بالعلم وراء الحدث، وسألوا: “إمتى الكسوف الحقيقي؟ وإزاي نتابعه بأمان؟“، مما فتح بابًا للنقاش حول الحاجة إلى التثقيف الفلكي للجمهور، بعيدًا عن السوشيال ميديا.






