مقالات

سيد الأسيوطي يكتب.. تل أبيب تحت النار.. وحكومة الملاجئ في مأزق تاريخي

في مشهد صادم ومفاجئ يعيش سكان تل أبيب منذ أيام أحداثًا غير مسبوقة، حيث تتعالى كل يوم صفارات الإنذار معلنة عن ضربات صاروخية كبيرة ومتتالية من إيران وحلفائها،
في ردّ سريع ومفاجئ بعد أن نفذت إسرائيل عدة اغتيالات لبعض القادة الإيرانيين البارزين، من بينهم المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، ولاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وآخرون.
وتأتي هذه الموجات الصاروخية الإيرانية المتلاحقة، التي أحدثت انفجارات قوية، لتُحدث خسائر مادية وإصابات مباشرة في البنية التحتية والعسكرية الإسرائيلية وبين المستوطنين،
ولم تتوقف الضربات الصاروخية الإيرانية المدمرة عند هذا الحد، بل كشفت أيضًا عن هشاشة منظومة الدفاعات الجوية، وضعف الملاجئ، وعجزها عن استيعاب وتيرة الهجمات المتسارعة وحماية الشعب،
مما جعل السلطة في مأزق تاريخي خطير غير مسبوق.
وفي مشهد صادم وغريب، أقرب إلى المأساة، تجد الحكومة الإسرائيلية المتطرفة بقيادة رئيس الوزراء، المهوس بالزعامة، بنيامين نتنياهو، نفسها تدير شؤون الدولة من داخل الملاجئ تحت الأرض، وهذا إن دلّ فإنما يدل على حالة من الارتباك والخوف والرعب من هول المفاجأة.
وما كان يصوره الإعلام الصهيوني للعالم عن قوة الردع الهائلة التي لا تُقهر، بات اليوم بلا فائدة، وغير قادر على التصدي للهجمات الإيرانية وحماية المستوطنين، مما أربك الحسابات من جديد.
وفي الوقت الذي كان يُفترض أن تتخذ الحكومة الإسرائيلية قرارات حاسمة لحماية رعاياها داخل الملاجئ المحصنة المزعومة،
والتي تم إنشاؤها لهذا الغرض، تأمينًا وحمايةً من المخاطر،
تحول أغلبها إلى مقار للدولة بكافة أجهزتها ومؤسساتها، لتُدار منها الأزمات على إيقاع الانفجارات المدوية،
مما سبب أزمة كارثية، وصدمة كبيرة، وغضبًا عارمًا في تل أبيب وضواحيها؛
ملاجئ مكتظة، وخدمات أساسية تتعطل، وسكان يعيشون تحت الضغط و الخوف المستمر، مع توقعات بتصاعد الوضع إذا استمرت الهجمات بنفس القوة والوتيرة لمدة أطول.

وفي ظل هذه الأحداث المتلاحقة، تقف حكومة الملاجئ المذعورة،
بين مطرقة الضربات الصواريخ الإيرانية ذات الرؤوس المتعددة، وسندان الغضب الشعبي الداخلي والضغط الدولي المتزايد،
في ظل تساؤلات ملحة: كيف يمكن لحكومة تدعي أنها قوة عظمة لا تقهر.
تدير شؤون الدولة وسلامة رعاياها من تحت الأرض؟
ومتى تتوقف سياسات التصعيد التي تنتهجها هذه الحكومة المتطرفة و الغير مسؤولة، والتي تهدد أمن استقرار المنطقة، و متى تلتزم بالقانون الدولي والاعتبارات الإنسانية والأخلاقية؟
وما أشبه اليوم بالبارحة…
فما شهده قطاع غزة من دمار واسع وسقوط للمدنيين، ومن انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني على يد حكومة الاحتلال الغاشمة،
يعود المشهد اليوم بصورة مختلفة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
وإذا كانت هناك دعوات قد خرجت من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته، ومن بعض الدوائر السياسية والإعلامية، لفتح المعابر والحدودية أمام شعب غزة تحت مسمى “الهجرة الطوعية”، خوفًا على أرواحهم،
فإن من باب العدالة التي يتحدثون عنها وشعارات حقوق الإنسان،
نقول لهم اليوم بكل وضوح:
افتحوا المعابر… وافتحوا المطارات… ولكن هذه المرة أمام من يعيشون الآن في رعب وزعر داخل الملاجئ من المستوطنين،
ودعوهم يختارون: إما البقاء تحت الضربات الصاروخية المدمرة، أو الرحيل طواعية إلى أوطانهم الأصلية خوفًا على حياتهم،
كما طُلب من غيرهم من قبل.
بنفس المبدأ، ونفس الشعار، الإنسانية المزعومة.
فهل ما كان يُطرح على سكان قطاع غزة، أصحاب الأرض، على أنه “حل إنساني”، سوف يُطبق اليوم على المستوطنين الغرباء المحتلين؟
أم أن الإنسانية تُستخدم فقط عندما تخدم طرفًا دون آخر؟
ورغم اختلاف المواقع والأحداث، تبقى الحقيقة الإنسانية ثابتة:
القتل والدمار مرفوضان، أيًّا كان مرتكبها أو كانت ضحاياها. فجميع الأديان والقيم الإنسانية ترفض سفك الدماء والدمار والخراب، وتدعو إلى الرحمة والعدل والمساواة والعيش المشترك.
ومن هنا، تتوجه الرسالة إلى المجتمع الدولي والمنظمات المعنية:
لم يعد الصمت وازدواجية المعايير مقبولين.
المطلوب الآن تحرك عاجل لوقف نزيف الدم، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع قد تهدد استقرار العالم بأسره.
فالمنطقة تقف اليوم على حافة انفجار كبير، في ظل صراع مفتوح بين إيران وحلفائها وإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها، وسط مخاوف من اتساع دائرة الصراع لتشمل أطرافًا إقليمية ودولية أخرى.
وفي ظل هذه الأحداث المتلاحقة، تبقى الحقيقة الأهم:
وهي أن الأيام دول،
والقوة مهما بلغت قد تتحول إلى ضعف إذا زادت عن الحد،
والهيمنة قد تنقلب إلى مأزق إذا كانت بدون حسابات واحترام لحقوق الآخرين،
ومن ظن أن القوة دائمة، فإنه لم يتعلم من دروس التاريخ القديم والحديث أن دوام الحال من المحال.
“سبحان مغير الأحوال”»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى