شريف الحسيني يكتب عن الطلاق وفاتورة المشاكل والأولاد

الطلاق ليس ورقة توقع في لحظة غضب ولا جملة تقال وتنتهي عند باب المأذون الطلاق فاتورة طويلة يدفعها الجميع. لكن أقساطها الأثقل تكون دائما من نصيب الأولاد الذين لم يختاروا الحرب ولم يقرروا الانفصال. ولم يفهموا لماذا تحول البيت الذي كان أمانهم إلى ساحة معركة صامتة تمتلئ بالغياب واللوم. والأسئلة التي لا تجد إجابة حين يقرر اثنان أن يفترقا يظنان أن القصة انتهت وأن كل واحد سيبدأ صفحة جديدة.
لكن الحقيقة أن الصفحة الجديدة تكتب بحبر الأولاد وبذاكرتهم وبمستقبلهم وبنظرتهم للزواج وللثقة وللحب. فالطفل الذي يرى أبويه يتحولان من شريكين إلى خصمين يتعلم أن العلاقات هشة وأن الأمان وهم وأن الكبار يكذبون حين يقولون نحن نفعل ذلك من أجلكم المشاكل لا تنتهي بالطلاق. بل تبدأ شكل جديد من المشاكل يسمى الحضانة والنفقة والرؤية والمنع والتحريض وكل طرف يحاول أن يكسب الطفل في صفه .وكأن الطفل غنيمة حرب لا إنسان له قلب وعقل ومشاعر تتشقق بين بيتين وبين روايتين وبين قلبين كانا له وطنا واحدا فاتورة الطلاق يدفعها الأب حين يتحول إلى زائر في حياة أبنائه يراهم بالمواعيد ويحاسب على كل دقيقة . وتدفعها الأم حين تتحمل وحدها عبء التربية والمدارس والمرض والسهر والقرارات المصيرية ويدفعها المجتمع حين يكبر جيل مشوه عاطفيا يحمل في داخله خوفا من الارتباط وكراهية للالتزام وفقدانا للثقة في معنى الأسرة.
نحن لا نقدس استمرار الزواج المريض ولا نطالب الناس أن تعيش في جحيم باسم الأولاد . لكننا نطالبهم أن يفهموا أن الطلاق ليس حلا سحريا بل عملية جراحية خطيرة تحتاج إلى تعقيم نفسي وأخلاقي حتى لا تتحول إلى نزيف دائم في روح الصغار الكبار حين يطلقون يجب أن يطلقوا الخلاف لا أن يطلقوا مسؤولياتهم . يجب أن ينفصلوا عن بعضهم لا أن يفصلوا الأولاد عن طفولتهم يجب أن يضعوا قانونا واحدا اسمه مصلحة الطفل فوق الكبرياء وفوق العناد وفوق الرغبة في الانتقام.
الطلاق المحترم هو الذي يبقي الاحترام حتى بعد الفراق هو الذي يجعل الأب أبا حتى لو لم يعد زوجا ويجعل الأم أما حتى لو لم تعد زوجة هو الذي لا يستخدم الطفل سلاحا ولا يجعله ساعي بريد للشتائم ولا يزرع في قلبه كراهية للطرف الآخر لأن الطفل الذي يكره أباه أو يكره أمه يكره نصفه ويعيش مبتورا من الداخل إلى الأبد .
فاتورة المشاكل بعد الطلاق يمكن أن تكون أقل وجعا لو تذكرنا أننا كنا يوما شركاء في حلم واحد اسمه أسرة وأن هذا الحلم أنجب أرواحا لا ذنب لها.
وأن الرجولة الحقيقية أن تكون سندا حتى وأنت بعيد وأن الأمومة الحقيقية أن تربي على الحب لا على الحقد وأن الشجاعة أن نعترف أننا فشلنا في الزواج.
لكننا لن نفشل في أن نكون أبوين صالحين الطلاق قد يكون نهاية علاقة لكنه يجب ألا يكون نهاية عائلة ويجب ألا يكون بداية مأساة للأولاد الذين يستحقون أن يكبروا وهم يعرفون أن الحب قد يتغير شكله .
لكنه لا يموت وأن البيت قد ينقسم جدرانه لكنه لا ينكسر معناه وأنهم لم يكونوا يوما سبب المشكلة ولن يكونوا يوما فاتورة يدفعها أحد






