أخبارثقافة و فن

“هنا القاهرة”.. 65 عامًا على ميلاد الشاشة التي صنعت ذاكرة المصريين

 

لم يكن مساء الحادي والعشرين من يوليو عام 1960 ليلة عادية في البيوت المصرية. ففي وقت لم تكن أجهزة التلفزيون قد انتشرت بعد، تجمع الجيران والأقارب حول شاشة صغيرة بالأبيض والأسود داخل منزل واحد، في انتظار حدث لم يكن أحد يعرف كيف سيبدو، لكنه كان يدرك أنه بداية لشيء مختلف.

ساد الصمت للحظات، ثم انطلق صوت الإذاعي الكبير صلاح زكي قائلاً: “هنا القاهرة”… لتولد في تلك اللحظة أول شاشة تلفزيونية مصرية، وتبدأ معها رحلة امتدت لأكثر من ستة عقود، تحولت خلالها الشاشة إلى شاهد على تاريخ وطن، ورفيق يومي للمصريين، ونافذة أطلوا منها على العالم.

لكن الوصول إلى تلك اللحظة لم يكن وليد الصدفة، بل سبقته سنوات من التخطيط والتجارب والتحديات، قبل أن يتحول الحلم إلى حقيقة.

من زفاف الملك إلى أول إشارة تلفزيونية

في بداية خمسينيات القرن الماضي، كانت التكنولوجيا التلفزيونية تغزو العالم، بينما كانت مصر تراقب التجربة عن قرب، مدركة أن المستقبل لن يقتصر على الإذاعة والصوت، وإنما سيصبح للصورة دور لا يقل أهمية.

وفي عام 1951 وصلت إلى القاهرة شركة فرنسية متخصصة في صناعة أجهزة الراديو والتلفزيون، واستغلت احتفالات زواج الملك فاروق والملكة ناريمان لتجري أول تجربة بث تلفزيوني داخل مصر، في محاولة لإقناع الحكومة بإطلاق محطة تلفزيونية دائمة.

أقيم برج إرسال مؤقت بالقرب من منطقة باب اللوق، وشاهد عدد محدود من المصريين لأول مرة صورًا متحركة تُبث عبر الهواء، لتبقى تلك التجربة الوحيدة في عهد الملكية، قبل أن يتوقف المشروع لعدة سنوات.

الثورة تعيد إحياء الحلم

بعد قيام ثورة يوليو، أصبح إنشاء تلفزيون وطني جزءًا من مشروع الدولة الجديدة.

وفي عام 1954 وافق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على المشروع الذي عرضه وزير الإرشاد القومي آنذاك صلاح سالم، وأسندت مهمة التنفيذ إلى المهندس صلاح عامر، الذي بدأ وضع التصورات الخاصة بإنشاء مبنى ضخم للإذاعة والتلفزيون على كورنيش النيل، وهو المبنى الذي عرف لاحقًا باسم “ماسبيرو”.

كما بدأت الدراسات لإنشاء محطة إرسال فوق جبل المقطم وتجهيز الاستديوهات بأحدث التقنيات المتاحة، وكان المستهدف بدء البث عام 1957، إلا أن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 أوقف المشروع بالكامل، بعدما تحولت موارد الدولة إلى مواجهة الحرب وإعادة الإعمار.ورغم توقف التنفيذ، لم تتوقف الفكرة.

سباق مع الزمن قبل الثورة

مع نهاية الخمسينيات عاد المشروع إلى الحياة بقوة.

وتولى الدكتور عبد القادر حاتم، وزير الإرشاد القومي، الإشراف على التنفيذ، بينما وقع الاختيار على هيئة الإذاعة الأمريكية (RCA) لتوفير الأجهزة والاستديوهات، بالتوازي مع إرسال بعثات مصرية إلى الولايات المتحدة للتدريب على تشغيل المعدات الحديثة.

وخلال أقل من ستة أشهر، اكتمل بناء مركز الإذاعة والتلفزيون، وانطلقت التجارب الفنية استعدادًا لافتتاح رسمي تزامن مع احتفالات ثورة يوليو.

الليلة التي تغير فيها كل شيء

عند السابعة مساء يوم 21 يوليو 1960، بدأ البث التجريبي للتلفزيون المصري.

افتتح الإرسال بتلاوة مباركة للشيخ محمد صديق المنشاوي، قبل أن يظهر صلاح زكي معلنًا بداية عهد جديد للإعلام المصري.

وتابع المشاهدون في تلك الليلة افتتاح مجلس الأمة، وخطاب الرئيس جمال عبد الناصر، إلى جانب الأغاني الوطنية التي عبرت عن روح المرحلة، ومنها “وطني الأكبر” و”حكاية شعب” بصوت عبد الحليم حافظ، كما قدمت الإذاعية همت مصطفى فقرات الربط بين البرامج.

ورغم أن البث استمر نحو ست ساعات فقط، فإنه كان كافيًا ليكتب أول صفحة في تاريخ التلفزيون المصري.

وبعد يومين، وتحديدًا في 23 يوليو 1960، انطلق البث الرسمي بالتزامن مع احتفالات عيد الثورة.

شاشة واحدة لم تعد تكفي

بدأ التلفزيون بقناة واحدة فقط، لكنها سرعان ما أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للمصريين.

ومع تزايد أعداد المشاهدين، انطلقت القناة الثانية عام 1961، ثم القناة الثالثة عام 1962، لتزداد ساعات الإرسال تدريجيًا، ويصبح التلفزيون مصدرًا للأخبار والثقافة والتعليم والترفيه.

ولم يقتصر دوره على عرض المسلسلات والأفلام، بل قدم برامج تعليمية لمحو الأمية، وبرامج علمية وثقافية ودينية، إلى جانب المسرحيات والحفلات الموسيقية، ليصبح مؤسسة تعليمية وثقافية متكاملة داخل كل منزل.

ماسبيرو.. القلب النابض للإعلام المصري

في عام 1970 تأسس اتحاد الإذاعة والتلفزيون، ليصبح الكيان الرسمي المسؤول عن إدارة الإعلام المرئي والمسموع في مصر.

وخلال السنوات التالية شهد التلفزيون تطورات كبيرة، كان أبرزها التحول إلى البث الملون بعد حرب أكتوبر، لينتقل المشاهد المصري من الأبيض والأسود إلى عالم أكثر وضوحًا وحيوية، قبل أن تتطور تقنيات البث لاحقًا بما يتوافق مع المعايير العالمية.

لكل محافظة شاشتها

مع اتساع الرقعة السكانية، ظهرت فكرة القنوات الإقليمية.

فانطلقت القنوات المحلية تباعًا من القاهرة والإسكندرية وطنطا والمنيا وأسوان ومدن القناة، لتخاطب كل إقليم بلغته وقضاياه وتراثه، في تجربة إعلامية هدفت إلى تقريب الشاشة من المواطن في مختلف المحافظات.

حين خرجت الشاشة المصرية إلى العالم

لم يتوقف التطور عند حدود البث الأرضي.ففي ديسمبر 1990 أطلقت مصر أول قناة فضائية حكومية عربية، لتصل الصورة المصرية إلى ملايين المشاهدين خارج البلاد، قبل أن تنطلق قناة النيل الدولية، ثم القنوات المتخصصة في الأخبار والدراما والرياضة والتعليم والثقافة، لتواكب التحولات التي شهدها الإعلام العالمي.

بين الماضي والمنصات الرقمية

اليوم تغير المشهد الإعلامي بالكامل.فالمنصات الرقمية والهواتف الذكية أصبحت تنافس التلفزيون التقليدي، وتغيرت عادات المشاهدة، خاصة لدى الأجيال الجديدة، إلا أن الشاشة المصرية ما زالت تحتفظ بمكانتها باعتبارها أرشيفًا حيًا لذاكرة الوطن.

فمن خلالها تابع المصريون لحظات النصر، وخطابات الرؤساء، وأشهر المسلسلات، وأبرز المباريات، وأهم الأحداث التي صنعت تاريخ البلاد.

ورغم تغير الوسائل، تبقى تلك اللحظة الأولى في مساء يوليو عام 1960 علامة فارقة في تاريخ الإعلام العربي.

فحين انطلقت عبارة “هنا القاهرة”، لم يكن التلفزيون يولد فقط، بل كانت مصر تدخل عصرًا جديدًا، وتبدأ رحلة ما زالت فصولها تُكتب حتى اليوم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);