تقارير و تحقيقات

أول أيام التشريق.. الحجاج يرمون الجمرات ويغمرون المشاعر المقدسة بذكر الله

 

مع بزوغ شمس اليوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة، تبدأ جموع حجاج بيت الله الحرام واحدة من أعظم المحطات الإيمانية في رحلة الحج المباركة، حيث يتوافد الملايين إلى مشعر منى لأداء أعمال أول أيام التشريق، المعروف بـ«يوم القر»، في مشهد روحاني فريد تتعالى فيه أصوات التكبير والتهليل، وتمتلئ أرجاء المشاعر المقدسة بذكر الله والدعاء والخشوع.

ويوافق هذا اليوم ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، ويُعد من الأيام المباركة التي تحظى بمكانة عظيمة في الشريعة الإسلامية، لما تحمله من معانٍ روحانية عميقة، حيث يواصل الحجاج أداء مناسكهم وسط أجواء يسودها الإيمان والطاعة والسكينة، مستحضرين معاني الامتثال الكامل لله سبحانه وتعالى.

وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم أيام التشريق بأنها أيام عبادة وذكر وفرح بطاعة الله، فقال في الحديث الشريف: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله»، في إشارة إلى أن هذه الأيام تجمع بين بهجة العيد والتقرب إلى الله بالإكثار من التكبير والتهليل والدعاء.

ويُطلق العلماء على اليوم الحادي عشر من ذي الحجة اسم «يوم القر»، لأن الحجاج يقرّون فيه بمشعر منى بعد انتهاء أعظم أركان الحج، وهو الوقوف بعرفة، وبعد أداء أعمال يوم النحر من ذبح الهدي وطواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة الكبرى.

ويرى أهل العلم أن هذا اليوم يمثل مرحلة من الطمأنينة والسكينة الروحية بعد الزحام الكبير والمشقة التي عاشها الحجاج خلال يوم عرفة ويوم النحر، حيث يبدأ الحجاج في استكمال المناسك بهدوء وخشوع، بين الذكر والدعاء وتلاوة القرآن الكريم.

كما يؤكد العلماء أن أيام التشريق من أعظم أيام الذكر، وقد أمر الله تعالى بالإكثار من ذكره فيها بقوله سبحانه:
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، والمقصود بها أيام التشريق الثلاثة، التي تُعد موسماً عظيماً للطاعة والتقرب إلى الله تعالى.

بدء رمي الجمرات بعد زوال الشمس

ومع دخول وقت الظهر وزوال الشمس عن كبد السماء، تبدأ الجموع المؤمنة أول أعمال هذا اليوم المبارك، وهي شعيرة رمي الجمرات الثلاث، الصغرى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة الكبرى، وفق الترتيب الشرعي الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ويجمع الحاج في هذا اليوم 21 حصاة صغيرة الحجم، بحيث يرمي كل جمرة بسبع حصيات متتابعات، مع التكبير عند كل حصاة، في صورة تعكس الطاعة الكاملة والاقتداء بالسنة النبوية الشريفة.

وأكد العلماء أن الإسلام يسر على الحجاج في أمر جمع الحصى، فلم يحدد مكاناً معيناً لالتقاطها، بل يجوز جمعها من أي موضع داخل مشعر منى، تيسيراً على ضيوف الرحمن ومنعاً للحرج والمشقة.

الجمرة الصغرى

ويتجه الحجاج أولاً إلى الجمرة الصغرى، حيث يبدأ الحاج برميها بسبع حصيات متتابعات، مكبراً مع كل حصاة قائلاً: «الله أكبر»، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ومن السنة أن يستقبل الحاج القبلة أثناء الرمي، بحيث تكون الجمرة أمامه، ثم بعد الانتهاء يتقدم قليلاً بعيداً عن مواضع الزحام، ليرفع يديه بالدعاء متضرعاً إلى الله عز وجل بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.

وأشار عدد من العلماء إلى أن الدعاء بعد الجمرة الصغرى من السنن العظيمة التي يغفل عنها بعض الحجاج، رغم ما تحمله من معانٍ إيمانية مؤثرة، إذ يقف المسلم في هذه اللحظات بقلب خاشع وروح متجردة، يرجو رحمة الله ومغفرته ورضوانه.

الجمرة الوسطى

وبعد الانتهاء من رمي الجمرة الصغرى، ينتقل الحجاج إلى الجمرة الوسطى، حيث يكرر الحاج نفس الطريقة الشرعية في الرمي، فيرميها بسبع حصيات متتابعات مع التكبير عند كل حصاة.

كما يسن للحاج أن يستقبل القبلة أثناء الرمي، ثم يبتعد قليلاً بعد الانتهاء ليقف طويلاً للدعاء اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان يطيل الوقوف بعد الجمرة الصغرى والوسطى متضرعاً إلى الله تعالى.

ويؤكد العلماء أن هذه اللحظات تمثل ذروة الصفاء الروحي للحاج، حيث يعيش المسلم حالة من التجرد الكامل لله سبحانه وتعالى بعيداً عن هموم الدنيا ومشاغلها.

ويختتم الحجاج أعمال الرمي في أول أيام التشريق بالتوجه إلى جمرة العقبة الكبرى، حيث يرميها الحاج بسبع حصيات متتابعات مكبراً مع كل حصاة.

وتختلف هيئة الرمي في هذه الجمرة عن الجمرتين السابقتين، إذ يقف الحاج بحيث تكون مكة المكرمة والكعبة المشرفة عن يساره، ويكون مشعر منى عن يمينه، ثم يرمي الجمرة مباشرة دون أن يقف بعدها للدعاء.

وأوضح العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف للدعاء بعد جمرة العقبة، ولذلك يسن للحاج الانصراف مباشرة عقب الانتهاء من الرمي اتباعاً للهدي النبوي الشريف.

التكبير يملأ أرجاء منى

وفي مختلف أرجاء مشعر منى، تتعالى أصوات الحجاج بالتكبير والتهليل والتحميد، حيث يردد الملايين:
«الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد»، في مشهد إيماني مهيب تتجسد فيه وحدة المسلمين واجتماعهم على ذكر الله وطاعته.

وأكد العلماء أن التكبير في أيام التشريق من أعظم القربات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، لما يحمله من تعظيم لله سبحانه وتعالى وإحياء لشعائر الإسلام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);