المصانع المتعثرة أمام فرصة أخيرة.. هل يعيد صندوق الإنقاذ الحياة إلى الصناعة المصرية؟

أسماء صبحي – يمثل قرار إنشاء صندوق متخصص لإعادة هيكلة وتمويل الشركات و المصانع المتعثرة محاولة لإعادة تشغيل طاقات إنتاجية موجودة بالفعل. بدلًا من ترك أصول ومعدات واستثمارات سابقة خارج دائرة العمل. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بحجم الأموال التي يمكن ضخها، وإنما بمدى قدرة هذه الخطوة على علاج الأسباب الحقيقية للتعثر وضمان عودة المصانع إلى الإنتاج بصورة مستدامة.
فالاقتصاد لا يستفيد من مجرد إعادة فتح أبواب مصنع متوقف. وإنما من قدرة هذا المصنع بعد عودته على الإنتاج والمنافسة وتحقيق عائد يحافظ على استمراره. وهو ما يجعل إعادة الهيكلة والتقييم الدقيق شرطين أساسيين قبل اتخاذ قرار التمويل.
لماذا لا يمثل التمويل وحده حلًا للتعثر؟
يرى الدكتور هاني الشامي، الخبير الاقتصادي وعميد كلية إدارة الأعمال بجامعة المستقبل، أن إنشاء الصندوق يمكن أن يمثل خطوة مهمة للحفاظ على القاعدة الصناعية. لكن نجاح التجربة يتطلب التعامل مع جذور المشكلة قبل التفكير في ضخ الأموال.
فبعض المصانع قد تكون أزمتها مرتبطة بالسيولة والديون، بينما يعاني البعض الآخر من مشكلات إدارية أو ضعف الإنتاجية أو ارتفاع تكاليف التشغيل أو تراجع القدرة على المنافسة. وفي هذه الحالات فإن تقديم تمويل جديد دون تغيير طريقة الإدارة أو نموذج العمل قد يؤدي إلى تأجيل الأزمة بدلًا من حلها.
لذلك فإن البداية الصحيحة بحسب الرؤية المطروحة، تتمثل في وضع كل مصنع تحت التقييم بشكل مستقل وفهم طبيعة أزمته. ثم تحديد ما يحتاج إليه بالفعل حتى يستعيد قدرته على العمل.
إعادة الهيكلة يجب أن تسبق ضخ الاستثمارات
لا يمكن التعامل مع جميع المصانع المتعثرة باعتبارها حالات متشابهة. إذ تختلف أسباب التعثر من شركة إلى أخرى كما تختلف فرص العودة إلى السوق. ولهذا تتطلب عملية الإنقاذ دراسة الوضع المالي والإداري والفني لكل كيان، مع تحديد نقاط القوة التي يمكن البناء عليها ومواطن الضعف التي تحتاج إلى معالجة. وبعد ذلك تأتي مرحلة وضع خطة لإعادة الهيكلة تتضمن أهدافًا واضحة ومراحل زمنية محددة.
والأهم أن يكون التمويل جزءًا من هذه الخطة وليس بديلًا عنها. لأن الأموال إذا لم ترتبط بإصلاحات حقيقية في الإدارة والإنتاج والتسويق والتكاليف فقد تنتهي إلى دورة جديدة من التعثر.
إنقاذ مصنع قائم قد يكون أكثر جدوى من البدء من الصفر
إعادة تشغيل المصانع المتعثرة لا تعني فقط الحفاظ على منشأة صناعية. وإنما تعني أيضًا حماية استثمارات وأصول تم إنفاق أموال ضخمة عليها خلال سنوات سابقة. فالمصنع القائم يمتلك بالفعل مباني ومعدات وبنية أساسية وعمالة وخبرات وسلاسل توريد. وبالتالي فإن إعادة استخدام هذه الإمكانات قد تكون أكثر سرعة وأقل تكلفة من إنشاء مشروع صناعي جديد بالكامل.
كما أن عودة مصنع واحد إلى الإنتاج يمكن أن تنعش مجموعة من الأنشطة المرتبطة به سواء في النقل أو الخدمات أو توريد الخامات ومستلزمات الإنتاج. وهو ما يجعل تأثير إعادة التشغيل يتجاوز حدود الشركة نفسها.
العمالة المستفيد الأول من عودة خطوط الإنتاج
من أهم النتائج المتوقعة لإعادة تشغيل المصانع المتعثرة الحفاظ على فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. فتوقف المصنع لا يعني خسارة الوظائف الموجودة داخله فقط، وإنما يمتد تأثيره إلى الموردين وشركات النقل والخدمات والأنشطة التي تعتمد على استمرار الإنتاج. أما عودة المصنع إلى العمل فتساعد على استعادة هذه الدورة الاقتصادية تدريجيًا.
ولهذا فإن إنقاذ الكيانات الصناعية القابلة للحياة يحمل بعدًا اجتماعيًا إلى جانب البعد الاقتصادي. لأنه يساهم في حماية العمالة والخبرات المتراكمة داخل القطاع الصناعي.
ليست كل المصانع مرشحة للإنقاذ
أحد أهم التحديات أمام الصندوق سيكون تحديد المصانع التي تستحق الحصول على التمويل وهي النقطة التي يمكن أن تحدد نجاح التجربة من عدمه. فليس من المنطقي استمرار ضخ الأموال في مصنع لا يمتلك منتجًا قادرًا على المنافسة أو سوقًا حقيقية يمكنه الوصول إليها. وفي المقابل، قد تكون هناك مصانع تعاني من أزمة تمويل مؤقتة رغم امتلاكها أصولًا جيدة وطاقة إنتاجية وفرصًا حقيقية للنمو.
ومن هنا تصبح عملية الاختيار بحاجة إلى معايير واضحة، تشمل حجم الديون، حالة المعدات والأصول، القدرة الإنتاجية، طبيعة المنتجات، حجم الطلب عليها، مستوى المنافسة، وكفاءة الإدارة، إلى جانب دراسة فرص التوسع مستقبلًا.
الصناعة والصادرات قد تكون المستفيد الأكبر
إذا نجحت عملية إعادة التشغيل بصورة صحيحة فإن آثارها يمكن أن تمتد إلى الاقتصاد المصري بأكمله. وقد تساعد زيادة الإنتاج المحلي على تقليل الاعتماد على بعض المنتجات المستوردة. كما أن تطوير المصانع ورفع كفاءتها يمكن أن يمنحها فرصة أكبر لدخول أسواق خارجية وزيادة الصادرات.
كذلك فإن تشغيل الطاقات المعطلة يرفع حجم القيمة المضافة داخل الاقتصاد. ويخلق فرصًا جديدة أمام الصناعات المغذية، ويزيد الطلب على المواد الخام والخدمات المرتبطة بالإنتاج. وتصبح النتيجة الأهم هي تحويل المصانع المتوقفة من عبء اقتصادي إلى أصول قادرة على المشاركة في النشاط الإنتاجي من جديد.
نجاح الصندوق مرتبط بالإدارة والمتابعة
التمويل الجيد قد يفشل إذا لم تصاحبه إدارة فعالة ومتابعة مستمرة. لذلك فإن التحدي الحقيقي لن يكون في إطلاق الصندوق فقط وإنما في طريقة إدارته واختيار الحالات التي يتدخل فيها. كما تحتاج كل عملية إنقاذ إلى مؤشرات واضحة يمكن من خلالها قياس مدى تحسن المصنع بعد الحصول على التمويل. سواء من حيث الإنتاج أو المبيعات أو التشغيل أو خفض التكاليف أو القدرة على الوفاء بالالتزامات. ويسمح وجود متابعة مستمرة بتعديل الخطط عند الحاجة ويمنع تحول الصندوق إلى مجرد قناة لتمويل أزمات متكررة.
هل تتحول المصانع المتعثرة إلى قوة جديدة للاقتصاد؟
إن تأسيس صندوق لإعادة هيكلة وتمويل المصانع والشركات المتعثرة يفتح بابًا مهمًا أمام إعادة تنشيط جزء من القاعدة الصناعية القائمة. لكنه في الوقت نفسه يضع أمام صناع القرار اختبارًا صعبًا: كيف يمكن توجيه الموارد إلى الحالات التي تستحق الإنقاذ فعلًا؟ فالهدف لا ينبغي أن يكون إنقاذ مصنع لمجرد بقائه وإنما إعادة بناء كيان قادر على الإنتاج والمنافسة والاستمرار دون الاعتماد الدائم على الدعم.
وبالتالي، فإن نجاح التجربة سيعتمد على معادلة واضحة تشخيص دقيق، إعادة هيكلة حقيقية، تمويل محسوب، إدارة كفؤة، ومتابعة مستمرة. وإذا اجتمعت هذه العناصر، فقد تتحول المصانع المتعثرة من ملف يمثل عبئًا على الاقتصاد إلى فرصة لاستعادة طاقات إنتاجية معطلة، حماية العمالة، دعم الصناعة المحلية، وفتح مساحات جديدة أمام النمو والتصدير.






