بين الدولة والميدان: دروز السويداء بين خطاب الوحدة وواقع الانقسام

كتبت: رانيا سمير
في مشهدٍ يعكس التوترات المتزايدة في جنوب سوريا، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، قرارًا بتكليف الفصائل المحلية ومشايخ العقل بمسؤولية حفظ الأمن في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، مؤكدًا في خطاب متلفز أن أبناء الطائفة “جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري”.
رسائل تطمين.. وهواجس كامنة
قال الشرع في كلمته: “إن سوريا لن تكون أبدًا مكانًا للتقسيم أو التفتيت أو زرع الفتن بين أبنائها”، في محاولة لطمأنة المكوّن الدرزي الذي يشهد حالة غليان شعبي وميداني منذ أسابيع. وأضاف: “حماية حقوقهم وحريتهم تمثل أولوية، والدولة لن تسمح لأي جهة خارجية باستغلال الموقف”.
وبرّر الشرع قرار التكليف الجديد بأنه نابع من “إدراك عميق بخطورة اللحظة الراهنة على وحدة البلاد”، محذرًا من أن أي تصعيد قد يقود إلى انزلاق نحو “حرب جديدة” تجهض فرص التعافي بعد سنوات الحرب الطويلة التي أنهكت الدولة والمجتمع.
انقسام بين الخطاب والواقع
لكن على الأرض، لا تبدو الأمور على نفس القدر من الانسجام الذي عبّر عنه الخطاب الرئاسي. فبعد ساعات من إعلان وزارة الداخلية التوصل إلى اتفاق مع وجهاء السويداء لوقف العمليات العسكرية وتشكيل لجنة مشتركة لمتابعة تنفيذ بنوده، خرجت الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية لتنفي بشكل قاطع وجود أي اتفاق، مؤكدة أن القتال سيستمر “حتى تحرير كامل تراب المحافظة”، بحسب بيان مقتضب نُشر على وسائل الإعلام المحلية.
هذا التباين الحاد بين خطاب الدولة وموقف الرئاسة الروحية يعكس عمق الأزمة، ويطرح تساؤلات حول جدية التفاهمات، ومدى تمثيل الوجهاء الذين وُقّع معهم الاتفاق للشارع الدرزي الغاضب.
مبادرة أمنية أم تنازل سياسي؟
الاتفاق، وفق ما أعلنته وزارة الداخلية، يتضمن وقفًا شاملًا وفوريًا لإطلاق النار، ووقف أي هجمات على القوات الأمنية، إلى جانب ضبط السلاح الثقيل ودمج المحافظة مجددًا في الدولة السورية، مع مراعاة خصوصيتها الاجتماعية والتاريخية. كما شمل تفعيل مؤسسات الدولة في السويداء، وهو مطلب لطالما رفعه السكان، وإن بطرق متباينة.
غير أن تكليف الفصائل المحلية ومشايخ العقل بحفظ الأمن يثير بدوره أسئلة حرجة: هل تمثّل هذه الخطوة اعترافًا ضمنيًا بضعف القبضة المركزية؟ أم أنها محاولة لاحتواء الغضب الشعبي بتقديم تنازلات محسوبة قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة؟
صوت الأرض أقوى من البيانات
في ظل هذا المشهد المرتبك، تتكثف الوساطات السياسية والاجتماعية، وسط استمرار الاحتقان على الأرض. السكان الذين خرجوا إلى الشوارع خلال الأشهر الماضية، مطالبين بالكرامة والخدمات ورفع القبضة الأمنية، لم يعد من السهل احتواؤهم بخطابات التطمين، كما أن الفصائل المحلية باتت اليوم تملك الكلمة الأقوى في معادلة الأمن بالسويداء.
بينما تحاول الدولة رسم صورة للوحدة، تفرض الحقائق الميدانية سردية مختلفة، تطفو فيها المخاوف من الانقسام والتفتيت على السطح، حتى وإن لم تُذكر صراحةً.






