
في لحظة سياسية مشحونة وتقاطعات إقليمية معقدة، استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الإثنين، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، في لقاء ثالث يجمع الرجلين هذا العام، لكنه الأثقل وزنًا سياسيًا وأمنيًا منذ اندلاع الحرب في غزة قبل 21 شهرًا.
يحمل اللقاء أبعادًا تتجاوز المجاملات الدبلوماسية، ليتحول إلى منصة لحسم قضايا مصيرية تتعلق بمصير الحرب، والملف النووي الإيراني، وتوازنات الشرق الأوسط، فيما يسعى كل من ترامب ونتنياهو إلى استثمار اللحظة لتعزيز موقعه السياسي والشخصي.
هدنة مشروطة
الرئيس الأمريكي، الذي أكد أن “حماس تريد وقف إطلاق النار”، بدا أكثر تفاؤلًا من ذي قبل بإمكانية التوصل إلى هدنة، قائلًا إن “العرض الحالي قد يكون الأخير”. هذا العرض، بحسب مصادر دبلوماسية، يتضمن هدنة لمدة 60 يومًا، مع إدخال مساعدات إنسانية وتبادل جزئي للأسرى، لكنه لا يحسم جوهر الأزمة: تعريف نهاية الحرب.
بينما تطالب حماس بوقف دائم للقتال وانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية، يشترط نتنياهو استسلامًا سياسيًا وعسكريًا كاملًا للحركة، بما يشمل تفكيك بنيتها المسلحة وترحيل قادتها، ما يجعل الفجوة بين المطلبين شاسعة، ويُبقي أي تسوية على حافة الهاوية.
نوبل وسط الرماد
في خطوة رمزية، سلّم نتنياهو إلى ترامب رسالة ترشيح رسمية لنيل جائزة نوبل للسلام، مبررًا الترشيح بأن ترامب “يصنع السلام في زمن الحرب”. الرسالة، وإن بدت شكلية، تعكس مسعى إسرائيليًا لدعم صورة ترامب كزعيم عالمي قادر على هندسة تسويات غير تقليدية، رغم استمرار القصف في غزة وسقوط آلاف الضحايا.
ترامب، من جانبه، لم يُخفِ طموحه، وأعاد التأكيد على أن “السلام ممكن”، وإن كان بدا مترددًا في دعم حل الدولتين، مجيبًا ببساطة: “لا أعرف”.
إيران… الحاضر الغائب
الملف الإيراني لم يكن غائبًا عن طاولة اللقاء. ترامب، الذي استعرض ما وصفه بـ”الضربة الدقيقة للمواقع النووية الإيرانية”، قال إن واشنطن نقلت قواتها من قاعدة العديد قبل تنفيذ الضربة، مشيرًا إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت تدمير الأهداف بالكامل.
ورغم ذلك، أبدى أمله في “عدم الحاجة لضرب إيران مجددًا”، مؤكدًا أن موعدًا مبكرًا قد تم تحديده لاستئناف المحادثات معها. لكن في الخلفية، تبقى طهران في قلب معادلة غزة، سواء بدعمها السياسي والعسكري لحماس، أو عبر تحريك جماعات حليفة لها في ساحات موازية.
ترامب: رجل الحرب.. أم رجل السلام؟
بين طموح نوبل وخيارات الردع، يبدو ترامب عالقًا في توازن معقد: يسعى لأن يُقدم نفسه كصانع سلام، بينما يتحدث بلغة “الأسلحة التي لا يتخيل أحد حجمها”، كما صرّح خلال اللقاء. وهو بذلك يراوح بين دبلوماسية التسوية وقوة الردع، في مشهد يعكس نهجه المعروف بالمزاوجة بين التهديد والتفاوض.
على الجانب الشخصي، لا يغيب عن المراقبين أن العلاقة بين الرجلين تتسم بندوب سياسية سابقة، خاصة بعد مطالبة ترامب علنًا بإسقاط محاكمة نتنياهو في قضايا الفساد. ويبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي يواجه ضغوطًا داخلية عنيفة من ائتلافه اليميني، يستثمر علاقة خاصة مع ترامب لضمان استمرار الدعم الأمريكي، وإن بثمن سياسي مرتفع.
من يصنع القرار؟
الزيارة تأتي بينما تتصاعد الضغوط الدولية من أجل وقف الحرب، في ظل كارثة إنسانية غير مسبوقة في قطاع غزة. ملايين الفلسطينيين يعانون من نقص الغذاء والمياه والدواء، بينما تزداد المخاوف من عمليات تهجير قسري. وفي هذا السياق، يتردد اسم “ترامب ريفييرا” كمخطط محتمل لترحيل سكان غزة، ضمن مشروع إقليمي تشرف عليه مراكز أبحاث مقربة من دوائر صنع القرار.
ورغم نفي الأطراف الرسمية لهذا السيناريو، فإن تصريحات نتنياهو التي قال فيها إن سكان غزة “يمكنهم البقاء أو المغادرة طوعًا”، تفتح الباب لتساؤلات عميقة عن مستقبل القطاع وسكانه، في ظل صمت دولي متردد، وضبابية الموقف الأمريكي.
بوتين في الخلفية
وفي ختام اللقاء، عبّر ترامب عن خيبة أمله من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بسبب “عدم وقف الحرب في أوكرانيا”. وبينما جاءت هذه الإشارة عرضية، إلا أنها تعكس تباعدًا في المواقف، وربما تنذر بتغيرات في التوازنات الاستراتيجية، لا سيما في ظل تصاعد نفوذ تحالفات مثل “بريكس” خارج العباءة الغربية.






