
في وقت لا تزال فيه مفاوضات التهدئة في قطاع غزة تتأرجح على حافة الانفجار والجمود، انفجرت خلافات داخلية جديدة في صفوف الحكومة الإسرائيلية، بعد أن وجّه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير انتقادًا شديد اللهجة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، داعيًا إياه إلى التخلي عن ما أسماه “إطار استسلام”، في إشارة إلى مقترح وقف إطلاق النار الذي ترعاه الولايات المتحدة وقطر ومصر.
تصريحات بن غفير التي نشرها على منصة “إكس” مساء السبت، لم تكن مجرد رفض سياسي لمضمون المقترح، بل حملت في طياتها لغة تهديد مبطن للحكومة التي باتت تتعرض لضغوط متزايدة من الداخل والخارج معًا، سواء من الشارع الإسرائيلي الغاضب على تأخر استعادة الرهائن، أو من المجتمع الدولي القلق من تفاقم الكارثة الإنسانية في القطاع.
بن غفير: لا سلام مع “بقاء حماس”
وفي رسالته العلنية، قال بن غفير إن الطريق الوحيد لتحقيق النصر وعودة الرهائن هو “فرض السيطرة الكاملة على غزة، ووقف المساعدات الإنسانية، وتشجيع الهجرة من القطاع”. وهو طرح يتناغم مع أفكار يمينية لطالما تبنّت فكرة إفراغ غزة من سكانها تحت غطاء الحرب.
وتابع الوزير المعروف بتصريحاته المتطرفة: “أي اتفاق يسمح ببقاء حماس هو انتصار للإرهاب، وخيانة للهدف الذي بدأنا من أجله هذه الحرب”، مضيفًا أن إدخال مساعدات إنسانية إلى القطاع في ظل هذه الظروف “سيمنح الحركة فرصة لإعادة تنظيم صفوفها من جديد”.
تصريحات بن غفير لم تأتِ في فراغ سياسي، بل كانت صدى لما وصفه مراقبون بـ”حالة الانقسام المتصاعد داخل الحكومة”، مع تمترس الجناح اليميني المتشدد خلف خطاب التصعيد والرفض لأي مخرج سياسي للأزمة.
سموتريتش: من يتجه للتسوية سيصطدم بالجدار
وبنبرة أكثر حدّة، أكد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، أحد أبرز رموز اليمين الديني القومي، رفضه التام لأي اتفاق يفضي إلى إنهاء القتال دون “سحق حماس بشكل كامل”، على حد تعبيره.
وخلال مؤتمر صحفي عقده في القدس، قال سموتريتش: “لن يحدث اتفاق، ولا أعتقد أن رئيس الوزراء ذاهب نحو ذلك، وإن حاول أحد دفعنا في هذا الاتجاه، سيجد جدارًا من الرفض”، وهو ما فسره مراقبون على أنه تهديد مباشر باستقالة أو انسحاب من الحكومة في حال المضي قدمًا نحو التسوية.
مكتب نتنياهو
في المقابل، يحاول مكتب رئيس الوزراء الحفاظ على توازن هش بين الرفض العلني لبعض بنود التهدئة، والانخراط الواقعي في مسار التفاوض. فقد أعلن في بيان رسمي أن إسرائيل رفضت “التعديلات غير المقبولة” التي طلبتها حركة حماس على المقترح القطري، لكنه أكد في الوقت نفسه أن نتنياهو وجّه فريق التفاوض للعودة إلى قطر لمواصلة الحوار مع الوسطاء.
وقال البيان: “رئيس الوزراء وافق على استمرار المحادثات لإعادة الرهائن بناءً على المقترح الذي سبق أن أقرته إسرائيل، رغم التحفظ على تعديلات حماس”.
هذه الازدواجية في الموقف تعكس – بحسب مراقبين – حجم المأزق السياسي الذي يواجهه نتنياهو، الذي يقف بين مطرقة الوزراء اليمينيين الذين يهددون بانسحابهم من الحكومة، وسندان المجتمع الدولي الذي يطالب بوقف فوري لإطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات إلى سكان القطاع المنكوب.
رد حماس
من جهتها، أعلنت حركة حماس أنها أنهت مشاوراتها الداخلية ومع باقي الفصائل الفلسطينية بشأن مقترح التهدئة، مؤكدة أنها قدّمت ردًا “اتسم بالإيجابية” إلى الوسطاء، وأبدت استعدادها “لبدء مفاوضات فورية” بشأن آلية تنفيذ وقف إطلاق النار، على قاعدة إنهاء العدوان وتحقيق مطالب الشعب الفلسطيني.
وبينما يرحب بعض الأطراف الدولية بما وصفوه “انفراجة جزئية” في موقف حماس، تعتبر إسرائيل – حتى اللحظة – أن الرد غير كافٍ، وتصر على شروط إضافية تتعلق بتسليم الرهائن أولاً، وضمانات بشأن مستقبل الحركة داخل القطاع.
انقسام داخلي وتأجيل للحسم
يعكس المشهد السياسي الإسرائيلي حالة من الانقسام العميق، ليس فقط حول شكل التهدئة، بل حول طبيعة الحرب نفسها وأهدافها النهائية. فبينما يرى الجناح العسكري أن العملية العسكرية طالت أكثر مما ينبغي، ويخشى من كلفتها الإنسانية والسياسية، يصرّ وزراء اليمين على استمرارها حتى “تحقيق النصر الكامل”.
وربما يجد نتنياهو نفسه قريبًا في مواجهة داخلية مع شركائه في الائتلاف، إذا قرر التقدم فعليًا نحو اتفاق، خاصة أن التهديدات بالانسحاب بدأت تتحول من كلمات إلى ضغوط سياسية حقيقية، في وقت لم تعد فيه حكومته تحتمل فقدان أي كتلة داعمة لبقائها.
الرهائن
في خضم هذه الحسابات، تبرز ورقة الرهائن كعنصر ضاغط ومتسارع. فالعائلات الإسرائيلية التي تنتظر عودة أحبائها بدأت تعبر عن سخطها المتزايد من مماطلة الحكومة، مطالبة بإعطاء الأولوية لإعادتهم على أي اعتبار سياسي أو عسكري آخر.
كما زادت الضغوط من قبل الإدارة الأمريكية، التي باتت ترى في استمرار الحرب دون أفق دبلوماسي خطرًا على الاستقرار الإقليمي، وتدفع حلفاءها في تل أبيب إلى التحرك باتجاه مخرج تفاوضي يضمن على الأقل وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، وتبادلًا للرهائن، وإعادة ضخ المساعدات.






