
كتبت ـ فريدة نصر:
بدون شك يشهد قطاع الطاقة في مصر نقطة «تحول استراتيجية» حاسمة تضع البلاد مجدداً على خارطة الإنتاج العالمي، فبعد فترة من التراجع الطبيعي في إنتاج الحقول القديمة، عادت الاكتشافات البترولية والغازية لتسجل قفزات نوعية بفضل تكثيف الأنشطة الاستكشافية، وتقديم تسهيلات استثمارية للشركاء الأجانب، وسداد جزء كبير من مستحقاتهم المتأخرة لتنخفض إلى نحو 1.3 مليار دولار، مما أعاد الثقة بقوة إلى هذا القطاع الحيوي.
أحدث الاكتشافات والأرقام البترولية
عززت مصر مؤخراً مكاسبها بسلسلة من الاكتشافات الضخمة، التي أعادت صياغة التوقعات المستقبلية للإنتاج؛ ففي مايو 2026، أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية عن تحقيق شركة “عجيبة للبترول” (الكيان المشترك بين الهيئة المصرية وعملاق الطاقة الإيطالي “إيني”) لأكبر كشف غازي ونفطي في الصحراء الغربية منذ 15 عاماً عبر بئر “بستان جنوب 1X” بحجم احتياطي مقدر 330 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي
تكمن الأهمية القصوى لهذا الكشف في قربه من التسهيلات والبنية التحتية القائمة، مما يضمن سرعة ربطه بخطوط الإنتاج التجاري وتوفير تكاليف بناء مرافق جديدة.
حفر 14 بئرا جديدا
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد العمل عبر خطة استراتيجية طموحة تشمل حفر 14 بئراً استكشافية في البحر المتوسط لتقييم احتياطيات واعدة تُقدر بـ 12 تريليون قدم مكعبة، بالتوازي مع طرح مزايدات عالمية جديدة للتنقيب في البحر الأحمر ومناطق الحدود الغربية. وتسعى الحكومة من خلال هذا الزخم إلى دفع منحنى الإنتاج للصعود مجدداً للوصول إلى معدل 6.6 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2027.
مصر مركزاً إقليمياً للطاقة
لا تعتمد الرؤية المصرية على الاستهلاك المحلي الفردي فحسب، بل على تكريس مكانتها كمركز إقليمي لتداول وتجارة الطاقة في منطقة شرق المتوسط. تمتلك مصر بنية تحتية لوجستية فريدة لا تتوفر لدى منافسيها في المنطقة وتتمثل في:
محطات إسالة الغاز:
في “إدكو” و”دمياط”، والتي تعد المنافذ الوحيدة القادرة على تحويل الغاز الطبيعي المكتشف في الحقول البحرية المجاورة (مثل الحقول الإسرائيلية والقبرصية) إلى غاز مسال قابل للتصدير إلى الأسواق الأوروبية الحطشة للطاقة.
شبكة خطوط الأنابيب والموانئ:
الممتدة عبر البحر المتوسط وقناة السويس وخليج السويس، والتي تدعم حركة ناقلات النفط والغاز بكفاءة عالية.
هذه المقومات تجعل من مصر حلقة الوصل الإلزامية لاستقرار إمدادات الطاقة المتوجهة إلى القارة العجوز، مما يعزز ثقلها الجيوسياسي والاقتصادي.
تخفيف الضغط عن الدولار والاقتصاد القومي
ترتبط عودة الاكتشافات النفطية ارتباطاً وثيقاً بملف السياسة النقدية وأزمة النقد الأجنبي في مصر من خلال محورين أساسيين هما خفض فاتورة الاستيراد حيث تستهلك مصر كميات ضخمة من الوقود لتشغيل محطات الكهرباء والصناعات الثقيلة؛ ومع زيادة الإنتاج المحلي من الغاز والمازوت والزيت الخام، ستتقلص المبالغ المليارية بالدولار التي كانت تُخصص شهرياً لاستيراد الشحنات الإسعافية من الخارج لتغطية العجز (خاصة في شهور الصيف).
ثانياً: زيادة التدفقات الدولارية من خلال عودة تشغيل محطات الإسالة بكامل طاقتها وتصدير الفائض يضمن تدفقاً مستداماً للعملة الصعبة إلى خزينة الدولة. بالإضافة إلى ذلك، فإن استهداف جذب استثمارات أجنبية مباشرة بقطاع النفط والغاز تصل إلى 6.2 مليار دولار خلال العام المالي 2026-2027، يُنعش السيولة الدولارية داخل القطاع المصرفي ويُسهم مباشرة في استقرار سعر الصرف وتخفيف التضخم.
سياسة التعافي السريع
يبرهن قطاع البترول المصري في عام 2026 على أنه قاطرة النمو التي تقود الاقتصاد نحو التعافي، فالاكتشافات الجديدة ليست مجرد أرقام تُضاف للاحتياطي، بل هي ركيزة للأمن القومي، وسلاح فعال لإنهاء الضغط على الدولار، وتأكيد عملي على ريادة مصر كعاصمة للطاقة في شرق المتوسط.






