تقارير و تحقيقات

مؤنسات الحرم في يوم عرفة.. حين تتولى نساء مكة إعمار البيت العتيق

 

في صباح يوم عرفة، تتغير ملامح المسجد الحرام بصورة تثير التأمل والدهشة لدى ملايين المسلمين حول العالم، فبينما تتجه أفواج الحجاج منذ ساعات الفجر الأولى إلى صعيد عرفات لأداء أعظم أركان الحج، يبدو صحن الكعبة المشرفة مختلفًا عن بقية أيام الموسم، إذ تختفي الكثافات البشرية المعتادة للحجاج بملابس الإحرام البيضاء، لتحل محلها أعداد كبيرة من نساء مكة المكرمة اللواتي يرتدين العباءات السوداء، فيتحول المشهد إلى لوحة روحانية مهيبة تمتزج فيها السكينة بالتاريخ والعبادة.

ويُعد هذا المشهد من الظواهر التراثية العريقة المرتبطة بأهالي مكة المكرمة، حيث اعتادت نساء المدينة المقدسة الحضور إلى المسجد الحرام يوم التاسع من ذي الحجة، لإحياء البيت العتيق بالطواف والذكر والدعاء، فيما يكون الرجال منشغلين بالحج أو بخدمة ضيوف الرحمن في المشاعر المقدسة.

ومن هنا ظهر مصطلح “مؤنسات الحرم”، وهو الاسم الذي ارتبط عبر عقود طويلة بنساء مكة اللاتي لا يتركن الحرم خاليًا من الطائفين والعاكفين والذاكرين في يوم عرفة.

من هن مؤنسات الحرم؟

يطلق هذا اللقب على نساء مكة المكرمة اللاتي يتوافدن بأعداد كبيرة إلى المسجد الحرام يوم عرفة، مرتديات اللباس المكي التقليدي المعروف بالعباءة السوداء، حيث يقضين ساعات طويلة في الطواف حول الكعبة المشرفة وقراءة القرآن والذكر والتضرع إلى الله.

ويرجع هذا التقليد إلى عادة اجتماعية ودينية قديمة لدى أهل مكة، تقوم على فكرة “إيناس الحرم”، أي عدم ترك المسجد الحرام خاليًا أثناء وجود الحجيج في عرفات، خاصة أن أغلب رجال مكة يتوجهون إلى المشاعر المقدسة سواء لأداء الحج أو للعمل في خدمة الحجاج وتنظيم الموسم.

وفي المقابل، تتولى النساء والأطفال وكبار السن مهمة إعمار البيت الحرام بالعبادة، فيتحول صحن الطواف إلى مساحة يغلب عليها اللون الأسود بسبب كثافة العباءات النسائية، في مشهد يختلف تمامًا عن الصورة البيضاء المعتادة خلال موسم الحج.

ويُعرف يوم عرفة عند أهالي مكة أيضًا باسم “يوم الخليف”، وهو مصطلح تراثي قديم يشير إلى اليوم الذي يخلو فيه المسجد الحرام نسبيًا من الحجاج بعد انتقالهم إلى عرفات.

وفي هذا اليوم، يعيش المسجد الحرام أجواء مختلفة يغلب عليها الهدوء والسكينة مقارنة بالأيام الأخرى من موسم الحج، فيستغل أهالي مكة هذه الفرصة للتفرغ للعبادة والطواف والصلاة في أجواء روحانية مميزة.

ويؤكد باحثون في التاريخ المكي أن هذا التقليد ظل حاضرًا عبر الأجيال، حيث كانت نساء مكة يعتبرن وجودهن في الحرم يوم عرفة نوعًا من الارتباط الروحي بالبيت العتيق، وحرصًا على أن يبقى المسجد الحرام عامرًا بالطاعة والذكر طوال الوقت.

يلاحظ كثير من المتابعين لمشاهد الحرم يوم عرفة أن اللون الأسود يسيطر بصورة واضحة على صحن الطواف، وهو ما يثير تساؤلات واسعة لدى المسلمين من خارج مكة.

والسبب في ذلك لا يعود إلى زي خاص أو مراسم معينة، بل يرتبط بطبيعة اللباس التقليدي السائد بين نساء مكة، حيث ترتدي معظم النساء العباءات السوداء المحتشمة، ومع كثافة حضورهن داخل الحرم يبدو المكان وكأنه قد اكتسى بالسواد.

ويمنح هذا المشهد المسجد الحرام طابعًا روحانيًا فريدًا، حيث تمتزج هيبة المكان بجلال المناسبة، في صورة إيمانية مؤثرة تتكرر مرة واحدة فقط كل عام.

أجواء مختلفة داخل البيت الحرام

ويُعد يوم عرفة من الأيام القليلة التي يشهد فيها المسجد الحرام هدوءًا نسبيًا مقارنة بذروة الزحام المعتادة في موسم الحج، إذ تتجه الجموع إلى جبل عرفات منذ الصباح الباكر، لأداء الوقوف بعرفة، الركن الأعظم للحج.

وفي الوقت ذاته، تبدأ نساء مكة في التوافد إلى الحرم منذ ساعات النهار الأولى، حيث يحرصن على أداء الطواف والعمرة والإكثار من الدعاء وقراءة القرآن، بينما تصطحب كثير من العائلات أطفالها للمشاركة في هذه الأجواء الإيمانية الفريدة.

ويمتد وجود مؤنسات الحرم داخل المسجد الحرام حتى ساعات متأخرة من الليل، بل إن بعضهن يواصلن العبادة حتى منتصف ليلة عيد الأضحى، في مشهد يعكس عمق الارتباط الروحي بين أهل مكة والبيت العتيق.

مؤنسات الحرم

ولا يقتصر حضور مؤنسات الحرم على كونه تقليدًا اجتماعيًا متوارثًا، بل يحمل في داخله دلالات روحية وإنسانية كبيرة، إذ ترى نساء مكة في يوم عرفة فرصة عظيمة للعبادة داخل أطهر بقاع الأرض، خاصة مع انشغال الحجاج بأداء المناسك في عرفات.

كما يعكس هذا التقليد حالة من الارتباط الوجداني العميق بين سكان مكة والمسجد الحرام، حيث يشعر الأهالي بأن للحرم حقًا عليهم، وأن بقاءه عامرًا بالطائفين والذاكرين مسؤولية معنوية يتوارثونها جيلًا بعد جيل.

ويصف كثير من زوار مكة هذا المشهد بأنه من أكثر المشاهد المؤثرة خلال موسم الحج، لما يحمله من روحانية خاصة تجمع بين التاريخ والعبادة والسكينة.

ويحتل يوم عرفة منزلة عظيمة في الإسلام، فهو من أفضل أيام الدنيا، وفيه يقف الحجاج على صعيد عرفات متضرعين إلى الله بالدعاء والاستغفار، راجين الرحمة والمغفرة والعتق من النار.

وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة تؤكد فضل هذا اليوم العظيم، ومن أشهرها ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

وهو الحديث الذي رواه الإمام الترمذي، ويُعد من أعظم النصوص التي تبين فضل الدعاء والذكر في هذا اليوم المبارك.

ورغم وجود الحجيج في عرفات، يبقى المسجد الحرام حيًا بالعبادة والطاعة، حيث تمتلئ أروقته بأصوات التهليل والتكبير وقراءة القرآن، فيما تنشغل مؤنسات الحرم بالطواف والدعاء والتضرع.

كما يحرص كثير من أهالي مكة على اصطحاب أطفالهم إلى المسجد الحرام في هذا اليوم، لتعريفهم بعظمة شعائر الحج، وغرس محبة البيت الحرام في نفوسهم منذ الصغر.

وفي أجواء يسودها الخشوع والسكينة، تتحول ساحات الحرم إلى مساحة إيمانية هادئة تختلط فيها الدموع بالدعوات، وتتعالى فيها أصوات الذكر، في صورة تجسد قدسية المكان وعظمة يوم عرفة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);