تقارير و تحقيقات

الأوقاف: تصوير الأضاحي قد يُفقدها روحها ويُخالف مقاصدها الشرعية

 

في ظل الإقبال الكبير من المسلمين على أداء شعيرة الأضحية خلال أيام عيد الأضحى المبارك، إحياءً لسنة نبي الله إبراهيم عليه السلام وتقربًا إلى الله تعالى، جدّدت وزارة الأوقاف تحذيرها من انتشار ظاهرة تصوير عمليات الذبح ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي الظاهرة التي باتت تتسع خلال السنوات الأخيرة مع توسع استخدام الهواتف الذكية والمنصات الرقمية.

وأكدت الوزارة أن تحويل شعيرة دينية عظيمة إلى محتوى مرئي يتم تداوله على نطاق واسع لا يتوافق مع المقاصد الشرعية التي شُرعت من أجلها الأضحية، كما قد يترتب عليه آثار سلبية تمس جوهر العبادة وتؤثر على مشاعر المتلقين.

وشددت وزارة الأوقاف على أن الأضحية من أعظم القربات إلى الله تعالى، وهي عبادة تقوم على معاني الطاعة والتسليم والخضوع الكامل لأمر الله عز وجل.

وأوضحت أن الأصل في هذه الشعيرة أن تُؤدى في أجواء يغلب عليها الخشوع والإخلاص والسكينة، بعيدًا عن أي دوافع تتعلق بالظهور أو البحث عن التفاعل الرقمي أو جمع الإعجابات والمشاهدات.

وأضافت أن بعض الممارسات الحديثة باتت تُحوّل الأضحية إلى مناسبة للتوثيق المتكرر، حيث تُلتقط صور قبل الذبح وأثناءه وبعده، ويتم نشر مشاهد الذبح وسيلان الدماء بشكل واسع، وهو ما يُفقد الشعيرة جزءًا من روحها الإيمانية ومقاصدها الشرعية.

عندما تتحول العبادة إلى وسيلة للتفاخر

وحذرت الوزارة من أن أخطر ما في هذه الظاهرة هو الانزلاق نحو تحويل العبادة إلى وسيلة للتفاخر أو إبراز المكانة الاجتماعية أمام الآخرين عبر مواقع التواصل.

وأشارت إلى أن الدافع الحقيقي للأضحية يجب أن يظل مرتبطًا بالتقرب إلى الله تعالى وابتغاء مرضاته، وليس السعي إلى لفت الأنظار أو تحقيق انتشار رقمي.

وأكدت أن قيمة العبادات في الإسلام لا تُقاس بعدد المشاهدات أو التفاعلات، وإنما تُقاس بصدق النية وإخلاص العمل لله سبحانه وتعالى.

كما نبهت إلى أن المبالغة في نشر تفاصيل الأضاحي، سواء من حيث الحجم أو العدد أو طريقة التنفيذ، قد تفتح باب المفاخرة والمباهاة، وهو ما يتعارض مع القيم الإسلامية التي تدعو إلى التواضع وإخفاء الأعمال الصالحة.

آثار نفسية واجتماعية لمشاهد الذبح

وتوقفت وزارة الأوقاف عند البعد الإنساني والنفسي لهذه الظاهرة، مؤكدة أن نشر مشاهد الذبح بشكل متكرر عبر المنصات الرقمية قد يترك آثارًا سلبية على بعض الفئات.

وأوضحت أن الأطفال وصغار السن قد يتأثرون بشكل مباشر بهذه المقاطع التي تتضمن صورًا حية لعملية الذبح وسيلان الدماء، ما قد يسبب لهم حالة من الخوف أو الانزعاج.

كما أن بعض الأشخاص بطبيعتهم لا يميلون إلى مشاهدة مثل هذه المشاهد، وقد يشعرون بالنفور عند ظهورها بشكل مفاجئ على هواتفهم أو صفحاتهم الشخصية.

ولهذا شددت الوزارة على ضرورة مراعاة الذوق العام، وعدم فرض هذه المشاهد على الآخرين عبر النشر غير المنضبط على وسائل التواصل الاجتماعي.

الإسلام دين رحمة ومراعاة لمشاعر الناس

وأكدت وزارة الأوقاف أن الشريعة الإسلامية أولت اهتمامًا كبيرًا بمراعاة مشاعر الناس واحترام أحوالهم النفسية والاجتماعية، وجعلت الرفق والرحمة من أبرز القيم التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم في سلوكه اليومي.

وأوضحت أن إيذاء الآخرين نفسيًا أو التسبب في إحراجهم أو انزعاجهم يتعارض مع مقاصد الإسلام العامة التي تدعو إلى الرحمة والتيسير.

ومن هذا المنطلق، فإن نشر مشاهد الذبح بصورة واسعة قد لا يحقق هذه المقاصد، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمس مشاعر بعض المتابعين.

ولفتت الوزارة إلى أن من المخاطر المحتملة أيضًا استغلال بعض الجهات لهذه المقاطع المصورة خارج سياقها الحقيقي، بهدف تقديم صورة غير دقيقة عن شعيرة الأضحية.

فقد يتم التركيز على مشاهد الذبح وحدها دون بيان بعدها الإيماني والاجتماعي والإنساني، بما يشوّه حقيقة هذه العبادة التي تقوم على الرحمة والتكافل والإحسان.

وأكدت أن الأضحية في حقيقتها رسالة إنسانية عظيمة، وليست مجرد عملية ذبح كما قد يُروّج في بعض السياقات غير المنصفة.

الإخلاص أساس قبول الأعمال في الإسلام

وشددت وزارة الأوقاف على أن الإخلاص لله تعالى هو الأساس الذي تُبنى عليه جميع العبادات في الإسلام، وهو معيار قبول العمل عند الله سبحانه وتعالى.

وأوضحت أن الله لا ينظر إلى الصور أو المظاهر أو عدد المتابعين، وإنما ينظر إلى القلوب والنيات ومدى صدق التوجه إليه.

ودعت إلى ضرورة مراجعة النية قبل أداء أي عبادة، والتأكد من أن الهدف هو رضا الله تعالى وليس طلب الشهرة أو الإعجاب من الناس.

كما أكدت أن الأضحية ينبغي أن تُؤدى في إطار من التواضع والخشوع، بعيدًا عن كل صور الرياء أو المباهاة أو حب الظهور.

وتُعد الأضحية من أبرز الشعائر الإسلامية التي تحمل أبعادًا دينية وإنسانية واجتماعية متكاملة، إذ تُجسد معاني الطاعة لله تعالى وإحياء سنة نبي الله إبراهيم عليه السلام.

كما تسهم في تعزيز قيم التكافل الاجتماعي من خلال توزيع اللحوم على الفقراء والمحتاجين والأقارب والجيران، بما يعزز روح التضامن بين أفراد المجتمع.

ولهذا يؤكد العلماء أن القيمة الحقيقية للأضحية لا تكمن في عرضها أو توثيقها، وإنما في تحقيق مقاصدها الشرعية القائمة على الإخلاص والتقوى والإحسان.

ضوابط وقت الذبح في الشريعة الإسلامية

وفي سياق متصل، أوضح مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن وقت ذبح الأضحية يبدأ بعد صلاة عيد الأضحى مباشرة، ولا يجوز الذبح قبلها.

كما بيّن أن أفضل وقت للذبح هو اليوم الأول من أيام العيد بعد الصلاة وقبل زوال الشمس، اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

أما نهاية وقت الذبح، فقد أوضح العلماء أنه يمتد حتى غروب شمس اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة، وهو آخر أيام التشريق، وفق ما ذهب إليه عدد من الصحابة والتابعين والشافعية وجماعة من أهل العلم.

واستدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أيام التشريق نحر»، وبما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أيام النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده».

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);