مقالات

سيد الأسيوطي.. يكتب.. رسالة إلى دولة رئيس مجلس الوزراء والسادة المسؤولين: إلا رغيف الخبز

السيد الفاضل معالي دولة رئيس مجلس الوزراء.. السادة الوزراء والمسؤولون المعنيون بملف الدعم والتموين..

تحية إجلال وتقدير واحترام..

في البداية.. هناك قرارات اقتصادية يمكن للمواطن أن يتفهمها ويتكيف معها، وهناك أيضا إجراءات إصلاحية قد يستطيع أن يتحمل آثارها على أمل أن يرى ثمارها في المستقبل القريب، لكن هناك أيضًا ثوابت وطنية لا يجوز الاقتراب منها إلا بأقصى درجات الحكمة والدراسة الجيدة، وفي مقدمة هذه الثوابت يأتي رغيف الخبز المدعوم.
إننا هنا لا نتحدث عن سلعة غذائية عادية، ولا عن بند في الموازنة العامة للدولة يجب مراجعته بسرعة لسد العجز. بل نتحدث عن أحد أهم أعمدة الاستقرار الاجتماعي في مصر “رغيف الخبز” البلدي المدعم أو “العيش” كما يسميه عامة الشعب وعن الروابط التاريخية بين المواطن المصري وهذه السلعة الاستراتيجية.
وتزداد أهمية الحفاظ على منظومة الخبز المدعم إذا ما وضعنا في الاعتبار أن ما يقرب من 69 مليون مواطن يستفيدون منها بصورة مباشرة، فيما يستفيد نحو 61 مليون مواطن من منظومة السلع التموينية، كما تخصص الدولة ما يقارب 124 مليار جنيه سنويًا لدعم الخبز ضمن إجمالي يقترب من 160 مليار جنيه مخصصة لدعم السلع التموينية والخبز في الموازنة العامة للدولة. وتعكس هذه الأرقام حجم المسؤولية الوطنية والاجتماعية التي تتحملها الدولة، كما تؤكد أن منظومة الخبز المدعم ليست مجرد بند مالي في الموازنة، بل أحد أهم أدوات الحماية الاجتماعية والاستقرار المجتمعي لملايين الأسر المصرية.
وبرغم إدراكنا الكامل لحق الدولة في مراجعة قواعد البيانات للدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه، فإننا نؤكد أن نجاح أي إصلاح اقتصادي لا يقاس فقط بالأرقام وبحجم الوفرة المالية الذي يحققه، وإنما أيضًا بقدرته على حماية السلم الاجتماعي والحفاظ على التوازن بين متطلبات الإصلاح واحتياجات المواطنين.
إن الأمن القومي لا يرتبط بحماية الحدود فقط، بل يرتبط كذلك بالأمن الاجتماعي، وبقدرة المواطنين على توفير احتياجاتهم الأساسية لهم ولأبنائهم دون خوف أو قلق أو شعور بالعجز. فحين يشعر المواطن البسيط بأن احتياجاته الأساسية مهددة، يتأثر سلباً وتحدث مشاكل قد تدمر استقرار أسرته وحياته بالكامل.
لقد أثبتت التجارب عبر التاريخ أن الجبهة الداخلية المتماسكة هي السد المنيع و السند الحقيقي للدولة في مواجهة التحديات والأزمات، وأن الحفاظ على تماسك المجتمع لا يقل أهمية عن تحقيق المؤشرات الاقتصادية الإيجابية والشهادات الدولية. فالأرقام مهما بلغت أهميتها لا يمكن أن تكون بديلاً عن شعور الناس بالأمان والعدالة والاطمئنان.
ومن هنا فإننا نرفع هذه الرسالة الوطنية المخلصة إلى دولتكم وإلى جميع المعنيين بهذا الملف، نرجو منكم التريث وإعادة النظر والتقييم الشامل قبل تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي ولأي إجراءات قد تؤثر على حصول الفئات الأكثر احتياجًا على رغيف الخبز المدعوم، والعمل على مراجعة الحالات المتضررة وضمان عدم خروج أي مستحق حقيقي من مظلة الحماية الاجتماعية.
كما أن التحول إلى الدعم النقدي في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة و معدلات التضخم وتقلب الأسعار قد يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للدعم بمرور الوقت، بما ينعكس سلبًا على قدرة الأسر محدودة الدخل على توفير احتياجاتها الأساسية.
ومن هذا المنطلق، فإننا نرى أن الحفاظ على استدامة منظومة الدعم لا يتحقق من خلال استبعاد مستحقين جدد أو تقليص الحماية الاجتماعية، وإنما عبر مجموعة من الإجراءات المتوازنة، من بينها الاستمرار في تنقية قواعد البيانات بدقة وعدالة، مع زيادة الرقابة على الأسواق لوقف فساد المتلاعبين بالمنظومة و المحتكرين للسلع الغذائية الهامة.
كما يتطلب ذلك تعظيم موارد الدولة من القطاعات الإنتاجية والاستثمارية،
وسرعة العمل على جذب دعم دولي للمساعدة في تحمل الأعباء الاقتصادية الناتجة عن استضافة مصر لملايين اللاجئين والمهاجرين والضيوف، وهذا حق وواجب على المجتمع الدولي طبقًا للقوانين والأعراف الدولية المنظمة لذلك.
بما يخفف الضغط على الموازنة العامة للدولة ويحافظ على حقوق المواطن المصري في آن واحد.
إن الحفاظ على رغيف الخبز ليس مجرد سياسة دعم كما يصورها البعض من السادة المسؤولين الأفاضل، بل إحدى الركائز الأساسية لاستقرار المجتمع، وحماية حقيقية للجبهة الداخلية، وتعزيز للثقة المتبادلة بين الدولة والمواطن. وهذا ليس دفاعًا عن منظومة الدعم بقدر ما هو دفاع عن استقرار الوطن الذي نعشقه جميعاً ولا تزال قوته الحقيقية في تماسك جبهته الداخلية.

وإننا على يقين بأن القيادة السياسية الحكيمة والحكومة المصرية تدركان حجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهما، وتضعان مصلحة المواطن البسيط في مقدمة الأولويات، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد والمنطقة والعالم أجمع.

حفظ الله مصر وشعبها العظيم، وأعان قيادته الحكيمة على اتخاذ القرارات التي تحقق التوازن بين ضرورات الإصلاح الاقتصادي ومتطلبات العدالة الاجتماعية التي تحمي المجتمع وتحافظ على الروابط الأسرية، لتبقى مصر قوية بشعبها، عصية رغم كل الظروف المحيطة والتحديات.
حفظ الله الوطن وتحيا مصر بوحدتها دائمًا وأبدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);