تقارير و تحقيقات

أسرار مسجد قايتباي بعد افتتاح قبته.. لماذا وصفه أهالي الجمالية بـ البيت الكبير؟

على بعد خطوات من الربع المفقود بمجموعة السلطان قايتباي، كان طفل يبلغ من العمر 12 عامًا يقف بعد صلاة الجمعة، مرتديًا جلبابه الأبيض، في طريقه إلى منزله لم يكن ياسين يعلم أن المنزل الذي نشأ فيه منذ ولادته يمثل جزءًا من أثر تاريخي يعود إلى سلطان حكم مصر لمدة 28 عامًا، خلال الفترة من 1468 وحتى 1496، كما لم يكن يعرف أن المسجد الذي يظلل حياته يوميًا هو نفسه المسجد المطبوع على العملة المصرية فئة الجنيه. ورغم ذلك، كان ياسين أكثر من يعرف تفاصيل هذا الأثر، ليس لأنه درس تاريخه، وإنما لأنه يعيش بداخله.

لم يكن ياسين يعرف أن مسجد السلطان الذي يعيش في رحابه هو المسجد الذي ظهرت صورته على عملة الجنيه المصري، ربما في ظل اتجاه الحكومة المصرية إلى استبدال العملات الورقية الصغيرة بعملات معدنية بدلًا من العملات المطبوعة كما لم يكن يعرف جميع تفاصيل مقتنيات المسجد أو طبيعة الأشخاص الذين يعيشون بجواره في المقابر التي كانت مملوكة في وقت سابق.

وعلى الرغم من صغر سن ياسين وقلة معلوماته، فإنه كان أفضل مرشد لتفاصيل مجموعة السلطان قايتباي، فقد جعله وجود منزله داخل الأثر على دراية بمختلف تفاصيل المبنى، بداية من الحوائط والنوافذ والأبواب والزخارف والنقوش، وصولًا إلى القبور.

فتح ياسين لنا باب منزله، فكان ذلك بمثابة فتح باب إلى التاريخ، حيث ظهر عند مدخل المنزل باب ذو قفل حديدي أصابه الصدأ، ومغلق بإحكام لحماية الأطفال مما يوجد خلفه، إذ يمثل أحد المداخل الخفية المطلة على الربع المفقود من مجموعة السلطان قايتباي، والذي شُيد خلال الفترة من 1472 إلى 1474 ميلادية.

وكان المبنى الذي سكنت بداخله 6 أسر يبدأ ببوابة خشبية مزينة بنقوش وزخارف مميزة، تطل على 3 أبواب، كان أحدها الباب المطلوب الوصول إليه. وبمجرد فتحه ظهرت بقايا مبنى متهالك يضم بئرين للمياه يفصل بينهما بضعة أمتار، وهو ما يشير إلى أن المكان كان مطبخًا كبيرًا لإعداد الوجبات لضيوف السلطان وتلاميذ مدرسته والمصلين.

وعلى الجانب الآخر ظهر زقاق ضيق لا يسمح عرضه إلا بمرور شخص واحد، وعند السير فيه بين الصعود والهبوط، يصل إلى فناء خلفي يحتوي على قباب متهدمة تضم 4 مقابر، إلى جانب حديقة خلفية بها عدد من أشجار النخيل، تنتهي بممر يحتوي على باب جانبي يؤدي إلى شارع فرعي.

وكانت القباب، التي شيدت من أحجار جيرية بيضاء كبيرة، غير مكتملة، بينما جرى ترميم القبور وأرضياتها، كما وضعت الشركة التي نفذت أعمال الترميم أسياخًا حديدية لتسهيل خروج المياه الجوفية وعلى الجانب الآخر ظهرت سقيفة خشبية جمعت بين الأخشاب القديمة والحديثة.

وأوضح الدكتور ضياء زهران، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بالمجلس الأعلى للآثار، أن هذه القبور الأربعة هي قبور دفن العتقاء، وهم زوجات السلطان اللاتي أعتقهن بعد أن تزوجهن.

ويعد حوش دفن العتقاء، الذي تطل عليه نافذة منزل ياسين، جزءًا من المجموعة المعمارية الخاصة بالسلطان، والتي تضم المسجد والسبيل والكتاب وحوض سقاية الدواب وقبة الكلشني، المعروفة بتربة أولاد السلطان، إلى جانب قبة قبر السلطان التي جرى افتتاحها مؤخرًا.

من هو السلطان قايتباي؟

«هنا نلعب الكرة»، هكذا قال ياسين، الطالب بالصف الخامس الابتدائي، وهو يشير إلى سطح رخامي موجود على الأرض أمام مبنى «مقعد السلطان» ويحمل المبنى لافتة كبيرة عليها صورة مسجد السلطان بمئذنته وقبته ونوافذه الضخمة، إلى جانب شعار السلطان.

ولم يكن ياسين يعلم أن المكان الذي يمارس فيه هو وأصدقاؤه لعب الكرة يمثل ساحة المبنى الخاص بأحد أعظم سلاطين المماليك الجراكسة. فهذا المبنى المسجل برقم 101 ضمن قائمة الآثار الإسلامية المصرية هو مقعد السلطان الخاص، حيث استقبل قادة جيوشه التي غزت العالم، إلى جانب الأمراء والعلماء وأئمة الصوفية وطلاب العلم، طوال فترة حكمه لمصر التي امتدت 28 عامًا.

كما اختار السلطان قايتباي أن تكون وفاته داخل هذا المكان بعد أن بلغ 86 عامًا، وتحديدًا عام 1496، وظلت أبوابه مفتوحة أمام المتصوفين والطلاب لقرون طويلة، رغم ما تعرض له من زلازل وإهمال.

وفي صحراء المماليك، المعروفة حاليًا بمنشأة ناصر في حي الجمالية، اختار السلطان الأشرف سيف الدين قايتباي تشييد مجموعته الخاصة، لتكون مقرًا لحياته ووفاته، وأشرف بنفسه على أعمال بنائها، نظرًا لشغفه بالعمارة وكان هذا الاهتمام سببًا في تميز فترة حكمه بنهضة معمارية غير مسبوقة، إذ ترك نحو 70 أثرًا معماريًا، ليس في مصر فقط، وإنما امتدت آثاره إلى الشام والحجاز ومكة المكرمة.

ومن خلال تكرار قراءة اللافتات الموجودة على جدران السبيل ومقعد السلطان وبوابتي الدخول إلى مجموعة قايتباي، تمكن ياسين من الإجابة عن أسئلة بسيطة حول هوية السلطان قايتباي ومقعد السلطان. وتقع بوابتا الدخول إلى المجموعة عند شارع السوق بمنشأة ناصر، وفي أحد الشوارع الجانبية المطلة على المقابر والأحواش التي يتجاور فيها الأحياء والأموات، كما يتداخل فيها الفن الحديث مع العمارة التاريخية.

وتوجد مجموعة قايتباي ضمن منطقة «قرافة المجاورين»، ويمكن الوصول إليها من خلال بوابتين، إحداهما جزء من مباني المجموعة، وهي الأقرب إلى مقعد السلطان ويضم هذا المبنى قاعة استقبال كبيرة جرى ترميمها وتغيير نوافذها، وتستخدم حاليًا كمركز ثقافي وفني لخدمة سكان المنطقة، ويمكن الدخول إليها من خلال بابين، أحدهما يؤدي إلى القاعة الرئيسية، والآخر إلى حجرات التخزين.

أما البوابة الرئيسية فهي بوابة السوق، وهي الأقرب إلى قبة السلطان ومقابر أبنائه، وتحمل رقم الأثر 93 في السجلات الرسمية للآثار بالدولة ومن خلال البوابة الرئيسية تتجه الأنظار إلى جزء متهدم من مجموعة السلطان قايتباي، يمكن للمارة رؤيته عبر النوافذ الكبيرة المطلة على ما بداخله، ثم يأتي الجزء المخصص لمقابر أبناء السلطان، وقد علقت على جدرانه لافتة تحمل عبارة «مدفن ورثة السلطان الأشرف قايتباي».

أما الباب الرئيسي لمسجد السلطان قايتباي، فكان الصورة التي حفظتها الذاكرة عن قلب «صورة الجنيه المصري» حاضرة أمام العين، إذ يظهر باب المسجد مرتفعًا عن مستوى الأرض، ويصل إليه الزائر عبر درجات من الرخام الأبيض، وهو ما جعله محتفظًا بارتفاعه وفي الجهة المقابلة لباب المسجد يوجد حوض سقاية الدواب، وقد وضعت عليه لافتات تعريفية بالسلطان قايتباي ومقتنيات المجموعة.

افتتاح قبة السلطان

تتجه أنظار العالم حاليًا إلى السلطان قايتباي ومجموعته المعمارية الفريدة في منشأة ناصر بحي الجمالية، أو ما كان يعرف قديمًا بصحراء المماليك، وذلك بعد الانتهاء من إعادة ترميم القبة الجنائزية الخاصة بالسلطان، وافتتاحها رسميًا في 20 يوليو، عقب 5 سنوات كاملة من أعمال الترميم.

وبلغت تكلفة ترميم القبة التي مولها صندوق السفير بالسفارة الأمريكية 340 ألف دولار، ونفذت أعمالها شركة أركينوس للهندسة المعمارية تحت إشراف المجلس الأعلى للآثار، وذلك ضمن مشروع إحياء المواقع التاريخية في القاهرة الفاطمية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

وتعد قبة ضريح السلطان الأشرف قايتباي من النماذج الفريدة المتبقية من العمارة المملوكية في مصر، كما تتميز بزخارفها الحجرية التي تمثل أحد الأنماط المميزة للعمارة الإسلامية خلال العصر المملوكي في القرن الخامس عشر الميلادي.

وقالت أغنيشكا دوبروفولسكا، مديرة الشركة المسؤولة عن ترميم القبة، إن مشروع الترميم جرى تنفيذه على مرحلتين تضمنت المرحلة الأولى أعمال التوثيق والدراسات الأثرية، بما في ذلك الرفع المعماري والدراسات الفنية والترميم الدقيق للقبة النحاسية وكرسي المقرئ.

أما المرحلة الثانية فشملت أعمال الترميم والصيانة الشاملة للعناصر المعمارية والزخرفية باستخدام أحدث الأساليب العلمية والمواد المتوافقة مع الطبيعة الأثرية للمبنى، حيث جرى تنظيف العناصر الحجرية ومعالجة الرطوبة والأملاح، وتدعيم الجدران وحقن الشروخ، وإظهار الكتابات والزخارف القرآنية.

كما تضمنت الأعمال ترميم الشبابيك الجصية واستكمال الأجزاء المفقودة من الزجاج الملون، وصيانة العناصر الخشبية، وترميم العناصر الرخامية، ومعالجة زخارف المحراب وإعادة تذهيبها، بما يحافظ على الطابع الفني والأثري الأصلي للقبة.

«القبة المباركة»، هكذا وصفها ياسين، رغم أنه لم يرها من قبل، لكنه سمع حكايات الأهالي عن بركتها وتحقيق الأمنيات بعد لمس أثر قدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأثر قدم النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

وقال الدكتور ضياء زهران، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بالمجلس الأعلى للآثار، إن القبة تضم قبر السلطان الأشرف قايتباي وقبر ابنه السلطان محمد قايتباي، كما تضم حجرًا من البازلت الأسود يقال إنه يحمل بصمات قدمي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وحجرًا آخر يحمل أثر النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

وتعد القبة واحدة من أروع نماذج العمارة المملوكية، لما تحتويه من زخارف حجرية ونباتية دقيقة وأرضيات رخامية ملونة، ومحراب غني بالزخارف المذهبة، إلى جانب القبة الحجرية الشهيرة التي يحيط برقبتها شريط كتابي بارز بخط الثلث يتضمن آيات قرآنية وينتهي بتاريخ إنشائها سنة 879هـ، الموافق 1474 ميلادية.

مسجد السلطان قايتباي

أعلنت وزارة الآثار المصرية فتح أبواب الزيارة أمام المصريين والسائحين لقبة السلطان بعد الانتهاء من ترميمها، وذلك في الفترة الصباحية وبحضور الأثريين.

ولا يمكن الدخول إلى القبة إلا من خلال مسجد السلطان، عبر باب خشبي داخلي مزين بالنقوش والزخارف والآيات القرآنية. ورغم عدم السماح لنا بالدخول، أمكن الاستمتاع بمشاهدة محتوياتها من زخارف ونقوش ونوافذ ملونة من خلال شباك كبير يطل من إيوان المسجد على القبة الجنائزية.

واختار السلطان قايتباي بناء مسجده باللونين الأبيض والأحمر، باستخدام الحجر الجيري الأبيض والحجر الأحمر، وفق أسلوب «الأبلق» المملوكي كما اختار بابًا من الخشب البني المطعم بالنحاس والآيات القرآنية، ويتم الوصول إليه من خلال درجات من الرخام الأبيض، وعلى جانبي الباب مصطبتان من الرخام الأبيض الضخم.

ويفتح باب المسجد على ممر يضم بابين وشباكًا حديديًا كبيرًا يطل على صحن المسجد وإيوانات المدرسة الأربعة ويؤدي الباب الموجود في الجهة اليمنى إلى ممر جانبي يضم باب الصعود إلى المئذنة والدور العلوي، الذي خصصه السلطان للصوفيين وطلاب العلم المقيمين بالمدرسة، بينما يؤدي الباب الموجود في الجهة اليسرى إلى «الكتاب».

ومن الباب الأيمن تم الدخول عبر ممر يحتوي على العديد من الأبواب والأسقف المزخرفة، للوصول إلى صحن المسجد المحاط بأربعة أواوين، تضم شبابيك كبيرة ونوافذ ملونة بزجاج الفسيفساء الملون، الذي يضفي إضاءة مميزة على المسجد وتزيد من جمال المكان آيات القرآن المحفورة على الحوائط والأبواب الخشبية والرخام الملون، إلى جانب الأعمدة الرخامية، وقد ضم كل إيوان بابًا كبيرًا.

ويضم أحد الأواوين الأربعة المنبر الخشبي المطعم بالعاج والنحاس، بينما تتدلى من سقف المسجد مشكاوات الإضاءة، التي ترسم صورًا جدارية للأسقف المنقوشة بزخارف متقنة، ولا تختلف فيما بينها فوق الأواوين الأربعة، رغم اختلافها عن سقف صحن المسجد الذي يشهد إضاءة قوية ملونة تحمل ألوان الزجاج المعشق في قبة الصحن الخشبية وعبر الإيوان الرئيسي يوجد باب القبة الجنائزية وشباكها الكبير، الذي أمكن من خلاله مشاهدة مقتنياتها ورصد مظاهر أعمال الترميم التي جرت بها.

من صوت المؤذن إلى الدور المسكون وأصوات الطيور

عاش عم عيد، عامل المسجد، 22 عامًا داخل المكان، إذ يقيم فيه منذ عام 2004، بعدما جاء من محافظة أسيوط، تاركًا زوجته وأولاده للعمل بوزارة الأوقاف وقال عم عيد، الذي لا يغادر المسجد إلا كل 3 أشهر في رحلة لزيارة زوجته وأسرته، إن مسجد السلطان قايتباي من أجمل مساجد المنطقة، مشيرًا إلى أن المسجد شهد العديد من أعمال الترميم.

ولفت إلى أن ترميم القبة الجنائزية سيؤدي إلى زيادة أعداد زوار المسجد، خاصة لما تضمه القبة من مقتنيات، وأبرزها أثر قدم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، الذي كان يجذب أعدادًا كبيرة من الزائرين قبل بدء أعمال الترميم التي استمرت 5 سنوات موضحا أن المسجد يمثل مسجدًا رئيسيًا لسكان المنطقة، مشيرًا إلى أن الدور الثاني منه غير مأهول بالبشر، بعدما جرى إغلاقه منذ سنوات، وأصبح مأوى للأشباح والخفافيش.

ورغم تحذيرات عم عيد مما قد يوجد في الدور الثاني، فإن الشرفة الخشبية المزخرفة بالأخشاب، والتي تتدلى منها مشكاوات الإضاءة، تعد أحد عناصر جمال المسجد من الخارج.

وكانت حجرات صغيرة مهجورة وأصوات الطيور والخفافيش هي حال الطابق الثاني، الذي اختاره السلطان قايتباي في وقت سابق لإقامة الصوفيين وطلاب العلم أما شرفة «المبلغ»، التي كان يستخدمها المؤذن قديمًا للوقوف بها ورفع الأذان بصوت مرتفع للإعلان عن مواعيد الصلاة، فقد هُجرت بعدما حلت مكبرات الصوت محلها.

ولم يبتعد ياسين عنا خلال جولتنا داخل المسجد، رغم تصديقه حكايات والدته وأصدقائه عن سكان الدور الثاني من الأشباح والأرواح، لكنه رفض فكرة الصعود إليه بشكل كامل.

وبالبحث تبين أن الدور العلوي هجر خوفًا على المبنى، بعدما قررت وزارة السياحة والآثار إغلاق الدور الثاني للحفاظ عليه من الهلاك وتقليل الأحمال والأوزان الواقعة على السقف الخشبي المصنوع من أخشاب وأحجار قديمة دقيقة، وذلك بهدف الحفاظ على سلامة الأثر.

حوادث السرقات

لا تزال آثار النقوش المحفورة على باب مسجد السلطان قايتباي موجودة، رغم اختفاء النحاس الذي كان يزينها. وأكد عم عيد تعرض المسجد لبعض عمليات السرقة على مدار تاريخه، شملت مقبض الباب الرئيسي المصنوع من النحاس، وقطعًا من الزخارف النحاسية، وحروف القرآن النحاسية.

ودفعت هذه الوقائع وزارة الآثار إلى إقامة أسوار حديدية تحيط بمجموعة مباني السلطان قايتباي ولم يكن الباب وحده الذي تعرض للسرقة، إذ تعرض المنبر الخشبي الأثري أيضًا لعمليات نهب، وسُرقت قطع العاج والنحاس التي كانت تزينه.

وكان المنبر يمثل قطعة فنية استثنائية تعكس مهارة النجارين خلال العصر المملوكي، حيث استخدم خشب الأرز في صناعته، وطُعم بالعاج الأبيض وخشب الأبنوس الأسود، وزُخرف بأسلوب الطبق النجمي المعقد، مع تجميع الحشوات الخشبية والعاجية باستخدام أسلوب التعشيق.

وفي عام 2013، شهد المنبر حادث سرقة، في واحدة من أشهر وقائع السرقات الفنية التاريخية، بعدما تعرض لعملية تفريغ ونهب لحشواته النادرة المصنوعة من العاج الفاخر والأبنوس، عندما قام اللصوص بفك القطع الموجودة في باب المنبر ومن جانبه الأيسر وتكرر الأمر نفسه مع كرسي المصحف، حيث قام اللصوص بفك الحشوات المصنوعة من العاج.

ومع تكرار وقائع السرقة، نفذت وزارتا الأوقاف والآثار أنظمة كاميرات لمراقبة أي تجاوزات أو عمليات سرقة داخل المسجد، كما أقيم سياج حديدي حول مجموعة السلطان قايتباي لحمايتها من أي تعديات.

كما أطلقت وزارة السياحة والآثار مشروعًا قوميًّا ضخمًا للتوثيق العلمي وتصوير جميع المنابر الإسلامية في مصر، مع تركيب شبكات مراقبة حديثة، ونقل بعض الحشوات والمنابر النادرة المهددة بالخطر لعرضها داخل المتاحف الكبرى المؤمنة بشكل جيد.

رحلة صعود المسجد إلى العملة الورقية

قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب العالمية الأولى، صدر مرسوم ملكي من الخديوي عباس حلمي الثاني بحماية العملة المصرية واعتماد التعامل الرسمي بالعملات الورقية، وجرى إصدار عملات ورقية جديدة، كان من بينها العملة فئة 10 جنيهات، التي صدرت تحديدًا في 2 سبتمبر 1913، وحملت صورة مسجد السلطان قايتباي.

وجاء اختيار المسجد بسبب مئذنته وقبته اللتين تعدان من أجمل مآذن القاهرة، بما تتميزان به من عمارة وزخارف ورشاقة، فضلًا عن قبته المزينة بزخارف نباتية وهندسية دقيقة جعلتها تحفة معمارية وواحدة من أجمل قباب العصر المملوكي.

ومع التغيرات السياسية والاقتصادية وتنوع العملات الورقية المصرية، أعيد طباعة صورة المسجد على العملات من فئة المئة جنيه خلال الأربعينيات والخمسينيات في عهد الملك فاروق، وفي نهاية الستينيات أصبح مسجد السلطان قايتباي رمزًا للجنيه المصري حتى اليوم.

سكان مجموعة قايتباي

يعيش عشرات السكان داخل أجزاء من مجموعة السلطان قايتباي، وتحديدًا فوق البوابة الجانبية للمجموعة وفي المبنى المتبقي بين مقعد السلطان والمسجد وترجع قصة استقرار السكان داخل المجموعة إلى ستينيات القرن الماضي، عندما ارتفعت أسعار العقارات في مصر، ما دفع بعض الأسر إلى السكن في القبور وأحواشها.

وزادت هذه الظاهرة بعد زلزال عام 1992، عندما تضررت المنازل في الأحياء المجاورة بحي الجمالية والدرب الأحمر، فتوجهت مئات الأسر للسكن في الأحواش المحيطة بالمساجد المملوكية التاريخية.

ومع إطلاق المبادرات الثقافية الحكومية والخاصة وتسجيل الآثار ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، اعتُبر السكان الموجودون داخل المباني الأثرية جزءًا مهمًا يجب الحفاظ عليه وتنمية مهاراته، باعتبارهم حلفاء في حماية الأثر وحراسًا له وتم تنظيم ورش فنية وحرفية لتعليم السكان، إلى جانب بيع المنتجات التي يقومون بإنتاجها.

ومن المبادرات الموجودة حاليًا داخل مبنى مقعد السلطان مبادرة MASQ، التي تستهدف تحويل مقعد السلطان إلى مركز ثقافي وفني يخدم أهالي منشأة ناصر وسكان المقابر، وتنظيم ورش تدريبية حرفية للشباب والسيدات، إلى جانب تنظيم معارض لبيع منتجاتهم اليدوية.

ترميم مباني السلطان

تأثرت مجموعة السلطان قايتباي، التي تبلغ مساحتها 1088 مترًا مربعًا، بالعديد من عوامل الهدم والتلف، نتيجة مرور الزمن والزلازل ووجود المياه الجوفية، وتحولت بعض مبانيها إلى أطلال ودفع ذلك الحكومات المصرية إلى تنفيذ عدة مشروعات لترميم المجموعة في فترات زمنية مختلفة.

ومن أبرز الأماكن التي تعرضت للتهدم «الربع»، أو الفندق المملوكي، الذي لم يتبق منه سوى حوائطه الخارجية، إلى جانب حوض سقاية الدواب الذي تهدمت أجزاؤه العلوية، وكذلك الملحقات الخدمية من مطابخ ومخازن.

كما تعرض مقعد السلطان لأضرار في بعض أجزائه، واعتمدت عمليات ترميمه على حجة وقف السلطان قايتباي، التي تصف المجمع بدقة منذ يوم بنائه، وهو ما مكّن الخبراء من جمع الأحجار التي سقطت من مقعد السلطان وإعادة تركيبها في أماكنها الأصلية.

وشهدت مجموعة السلطان قايتباي عدة مشروعات للترميم، من بينها ترميم مبنى مقعد السلطان، حيث جرى ترميم الشبابيك والقمريات واستكمال الزجاج الناقص، إلى جانب استبدال الأجزاء المفقودة من التكسيات الرخامية.

ومرت مجموعة السلطان قايتباي بـ4 محطات رئيسية للترميم منذ إنشائها في القرن الخامس عشر وحتى عام 2026 وتمت أعمال ترميم خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، تضمنت إصلاحات سريعة للجدران والأسقف الخشبية بعد تعرض المجموعة للإهمال عقب سقوط دولة المماليك.

ثم شهدت المجموعة أعمال ترميم في أوائل القرن العشرين، وتحديدًا خلال الفترة بين عامي 1913 و1915، على يد لجنة حفظ الآثار العربية، التي قامت بتدعيم المئذنة وإعادة تثبيت بعض الأحجار المتساقطة، كما تولت اللجنة توثيق جميع الزخارف والكتابات بدقة.

وفي أواخر القرن العشرين، قامت هيئة الآثار المصرية بترميم المجموعة، وشملت الأعمال فك وإعادة بناء الأحجار التالفة في الجدران الداخلية والخارجية للمسجد والسبيل، وتبليط أرضية المدخل والسبيل ببلاط حجري يتناسب مع طبيعة الأثر، إلى جانب إعادة تذهيب بعض العناصر الزخرفية داخل إيوان القبلة وأخيرًا جاء مشروع الإحياء الحديث خلال الفترة من 2014 وحتى 2026، والذي جرى تقسيمه إلى عدة مراحل متتالية بهدف إحياء المجمع بالكامل وتأهيله.

وفي عام 2015، انتهى ترميم حوض السلطان قايتباي وتحويله إلى معرض دائم للحرف اليدوية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي ومكتب «أركينوس» للعمارة ثم جاء مشروع ترميم قبة الضريح الرئيسية، الذي استغرق 5 سنوات كاملة بالتعاون مع السفارة الأمريكية وصندوق السفير، وركز على معالجة مشكلات الرطوبة الخطيرة وحقن الشروخ الإنشائية العميقة وإعادة إظهار النوافذ الجصية والرخام الملون.

كما شملت أعمال الإحياء إزالة التعديات والبيوت العشوائية التي أقيمت فوق مباني مجموعة السلطان قايتباي، وتنفيذ أعمال تنقيب أثري لإظهار الأساسات الأصلية للجدران المملوكية القديمة وتركها مكشوفة أمام الزوار باعتبارها شاهدًا تاريخيًا.

حكاية أثر قدم النبي

تضم القبة الجنائزية للسلطان قايتباي عددًا من المقتنيات، إلى جانب قبري السلطان قايتباي وابنه محمد ومن بين المقتنيات الموجودة داخل القبة حجر بازلتي أسود يبلغ طوله 60 سنتيمترًا، يحمل أثرًا لقدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وعلى الرغم من عدم وجود معلومات موثقة تثبت كونه أثرًا للنبي، فإن الروايات المتناقلة تشير إلى أن السلطان قايتباي اشتراه من الحجاز، بعدما احتفظت به إحدى العائلات وتوارثته أجيالًا متعاقبة، بهدف التبرك بوجوده بالقرب من قبره بعد وفاته، وقيل إنه اشتراه مقابل 20 ألف دينار.

وتناقلت الروايات أن أثر النبي نقل إلى تركيا في عهد السلطان أحمد الأول، لكنه أعاده إلى مسجد السلطان قايتباي بعد رؤيا رآها أثناء نومه أما أثر النبي إبراهيم، فقد تناقلت الروايات أن السلطان قايتباي جاء به من القدس خلال رحلاته لتجديد المسجد الأقصى.

ورثة السلطان

لم يكن ياسين وعائلته وجيرانه هم السكان الوحيدين داخل مجموعة السلطان قايتباي، إذ ظهر من خلال نافذة كبيرة في شارع السوق شاهد قبر كبير يحمل عبارة «مدفن ورثة السلطان الأشرف قايتباي».

ويضم المدفن أسماء الشريف شمس الدين محمد عاشور وورثته، والمرحوم الشريف إبراهيم وهبي عاشور، والمرحوم نصر محمد علي عاشور، والمرحومة الشريفة أمينة محمد علي عاشور.

وترجع قصة ورثة السلطان إلى النصف الثاني من عام 1893 ميلادية، عندما جرى حصر ممتلكات الأوقاف المصرية، وقامت ذرية السلطان قايتباي برفع دعوى قضائية عرفت باسم «استبدال أوقاف قايتباي».

وطالب الورثة بالحصول على «ريع» الأطيان والأملاك الواسعة الموجودة في عدد من المحافظات، مثل دمياط والشرقية والدقهلية، والتي كان السلطان قد أوقفها في وثيقته، إلا أن الدولة جمدتها أو ضمتها إلى الأوقاف الخيرية.

وفي عام 2006 صدر حكم قضائي لصالح الورثة، رغم أن القضية كانت قد أقامتها وزارة الأوقاف المصرية ضد واضعي اليد على الأراضي التابعة لـ«وقف السلطان قايتباي»، للمطالبة باسترداد مساحات من الأراضي الزراعية في الدلتا باعتبارها أوقافًا خيرية لكن محكمة استئناف المنصورة أصدرت حكمها النهائي لصالح الورثة وواضعي اليد، استنادًا إلى الحجج التاريخية وقوانين إلغاء الأوقاف الأهلية.

حجة السلطان قايتباي

كان السلطان قايتباي من أعظم سلاطين المماليك، ونجح في إدارة مملكته ومجموعته المعمارية من خلال حجة أو وثيقة تركها لورثته ولمن يأتي من بعده ولا تزال حجة السلطان موجودة في دار الوثائق القومية ووزارة الأوقاف المصرية، وتضم وصفًا هندسيًا ومعماريًا تفصيليًا للمجموعة، إلى جانب مصادر تمويلها، بهدف الحفاظ عليها واستمرار أنشطتها.

وحددت الحجة مساحات واسعة من الأراضي والمحلات التي يتم الإنفاق من ريعها وأرباحها على صيانة المجموعة، كما تضمنت قائمة بالموظفين ورواتبهم اليومية والشهرية، ومن بينهم الإمام والخطيب والمقرئون والعمال ومعلمو المدرسة والطلاب كما نصت الحجة على عدد الوجبات التي تقدم للطلاب وأنواعها وكانت هذه الحجة سندًا في عودة بعض ممتلكات السلطان قايتباي إلى ذريته، بعدما نصت على تخصيص جزء من ريع الأراضي التي يمتلكها للإنفاق على منشآته وذريته والمقربين منه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);