أدب الفنتازيا والرعب: جائزة “بوليتزر” للرواية للأميركي دانيال كراوس عن رواية “سقوط الملاك” Angel Down”

أدب الفنتازيا والرعب: جائزة “بوليتزر” للرواية للأميركي دانيال كراوس عن رواية “سقوط الملاك” Angel Down”
حاتم عبدالهادي السيد
يحظى أدب الفانتازيا، وأدب الرعب، بمكانة عظيمة في الأدب الأمريكي بصفة خاصة، والأدب العالمي الحديث بصفة عامة.
والفانتازيا fantasia في الأدب، هي الأثر الأدبي الذي يتحرر من قيود المنطق والشكل والإخبار، ويعتمد اعتماداً كلياً على إطلاق سراح الخيال. ويطلق هذا المصطلح على أي جنس أدبي قصصي- أو روائي- تقع أحداثه في عالم متخيل، حيث يخضع لقوانين فيزيائية تختلف عن العالم الذي نعيش فيه، ويتناول شخوصاً غير واقعية وخيالية محضة وغرائبية غالباً، أو يصور عالماً يخضع لقوانين فيزيائية لم تُكتشف بعد، أو ميتافيزيقية تتناقض والحاضرَ والتجربة الواقعية.
والفانتازيا جنس أدبي حديث مستقل تطور في النصف الثاني من القرن العشرين وحقق انتشاراً واسعاً في الأدب والسينما، حيث يتقاطع مع أجناس أدبيةً أخرى، مثل الملحمة والميثولوجيا والخيال العلمي وكتابات الرعب horror fiction، لكنه مستقل عنها.
ولا شك أن المجتمع الأمريكي يحتفي بهذا النوع من الأدب، نظراً لما أحدثته الميديا من تطور كبير في مجال المخيال، وفي السينما” الهوليودية”- على وجه الخصوص
لذا لا غرو أن يفوز الكاتب دانيال كراوس بأرفع جائزة أدبية لهذا العام ٢٠٢٦ : ” جائزة بوليتزر للرواية عن روايته “Angel Down ” سقوط الملاك”.
والرواية – هنا- تمزج بين الرمزية، والواقعية السحرية، والخيال العلمي. إلا أنها أقرب إلى أدب الرعب.
تدور أحداث الرواية خلال الحرب العالمية الأولى، عندما تمّت محاصرة جنود أميركيين في ساحة معركة فرنسية، وعثروا أثناءها على ملاك عالق في الأسلاك الشائكة.
صدرت الرواية عن دار أتريا بوكس في 29 يوليو 2025، وهي رواية للكبار، وقد تم إنتاجها كفيلم يعكس فوضى الحرب، ويتحدث عن الملائكة، والحياة والموت، والرغبات والمعجزات، في شكل فنتازيا مرعب، يعكس حالة الحروب وأثرها على الإنسانية .
وتجىء فنتازيا دانيال كراوس لتؤكد هيمنة الخيال على مسيرة السرد اللامتراتب، الفنتازي، المثير للدهشة، والذي لا يحفل باستجابة القارىء، بل يجعله مشدوهاً، وخائفاً، في شكل فنتازي مثير للقلق حيث عالم الأسلحة الجديدة التي تخترق فضاءات السماء،وتحلق لمسافات أبعد- غير متخيلة- فنراها تصيب كائنة فضائية؛ كانت آمنة قبل الحرب العظمى، ومن بين هذه الكائنات ملاكًا ملعونًا.”
ويستخدم الكاتب أسلوب سرد يقترب من تيار الوعي،حيث يمكن تلخيص الرواية في جملة واحدة، أو في ” برجراف قصير” ، فهو يخاطب الوجدان والعاطفة، ولا يجعل القارىء يفكر كثيراً.
تتركز الأحداث في فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى، لكنها رواية- ليست تاريخية-فيما أحسب- حيث هناك توتر تصعب معه الكتابة المتسلسلة. إلا أن أسلوب الكاتب المخاتل ينقلنا لمتخيلات الحرب، والجنود ، والخنادق ، وحالة الجندي المتماهية مع الأحداث والرصاص، ودون المفروشات، حيث ينقلنا إلى صراع محموم مما يرهق القارىء من جهة، وقد يجعله أسير السرد الروائل المدهش كذلك.
وتتركز أحداث الرواية في مدة لا تزيد عن يومين لحياة الجندي “سيريل باغر” ذلك الجندي الذي التحق بالخدمة الحربية، بفرقة “طيور الجزار” التابعة للكتيبة 43. إلا أنه تم تكليفه بمهمة دفن الموتى، بعيداً عن صخب الحرب، وويلاتها، وفي أحد الأيام اخترقت صرخة مدوية أصوات الحرب المعتادة، صوتٌ لا ينقطع لشخص يتألم.
كلف اللواء ريس باغر وأربعة آخرين بالتحقيق في الأمر، و”الاعتناء به”، ظنًا منهم أن الصارخ جندي يحتضر ويحتاج إلى إنهاء معاناته. ولكن عندما وصلوا أخيرًا إلى مصدر الصوت المروع، صُدموا عندما وجدوا امرأة، لا رجلًا، وكانت عالقة في الأسلاك الشائكة. ومن هنا بدأت الدراما، فقد كانت المرأة تبدو بشكل نوراني، وحولها هالة من نور ساطع، فهي لا تشبه أي امرأة ، فقرروا في التحقيق بأن المرأة لا بد أن تكون ملاكًا، وقرروا إنقاذها. وهكذا بدأت رحلة مرعبة.
حيث يكافح الرجال الخمسة – باغر، وأرنو، وبوبكين، وجودسبيد، وفيك – عبر أرض مزقتها الحرب بحثًا عن الأمان. لكن لكل منهم أفكاره الخاصة حول مغزى وجود الملاك،وما يمكنهم جنيه منها، ولذا فإن رحلتهم للعودة إلى الجنرال ريس محفوفة بالمخاطر.
لا تدور قصة كراوس – كما يذكر الناشر ،ومن قام بعرض مختصر للرواية- حول الملاك – في جوهرها، بل هي دراسة شخصية معمقة لشخصية” باغر”- الأثيرة،والشخصيات الأخرى. فشخصية ” باغر” تظهر في شكل محتالٌ جلب معه مهاراته في الاحتيال إلى فرنسا، مما منحه ميزةً في قراءة لغة جسد الآخرين، وفي عدة لحظاتٍ حاسمةٍ من القصة، أنقذته هذه المهارات. حيث يُدرج كراوس بدقةٍ تفاصيل شخصية من ماضي باغر في قصته، فتظهر بوضوحٍ طوال أحداثها- كما يقول قاريء الرواية- فعلى سبيل المثال، أحضر معه إنجيل والده الراحل ذو الغلاف الجلدي الأحمر، ليس طلبًا للراحة الروحية، بل لأنه الرابط الوحيد الذي يربطه بوطنه. ويظهر الإنجيل مرارًا وتكرارًا بطرقٍ مُفاجئة، ليصبح مرجعًا عاطفيًا لباغر. كما يُضفي كراوس لمسةً رائعةً على القصة من خلال كتاب “ابن طرزان” . حيث يمتلك باغر نسخة مهترئة وملطخة بالطين يقرأها لأرنو (صبي يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا فقط ولا يستطيع القراءة.
كما تعرض الرواية لأحوال الحرب العالمية الكبرى، وما فعلته قذائف الهاوتزر والهاون بالبشر، عبر مشاهد مؤلمة للدمار والقتل، ورؤى الدماء المتناثرة، والبطون والأحشاء الممزقة للأطفال . كما تعرض لمعاناة الجنود من نقص الطعام، والخنادق المليئة بالطين والبول والبراز، وغيرها من المشاهد الفظيعة التي تؤثر على الحالة النفسية للقارىء. ثم أثناء هذا السرد المفجع، يضيء القارىء روايته ليزيد الأحداث براعة لتتكشف مفارقات الكاتب وبراعته عبر سياقات السرد،الذي يتناص مع قصص “الإنجيل” ، وحكايات الميثيولوجيا حول الملاك الذي يظهر وهو يرتدي ثوباً يميل إلى الحمرة- وكأنه يحيلنا للون الدماء المتناثرة في الحرب – وهو ملاك جميل يظهر
بشكل برىء ومؤثر، فهل جاءت الملاكة كرمز لإنقاذ البشرية وإنهاء الحرب؟ أم أن هدفها كان أكثر غموضاً، وإثارة؟!.
ومع ذلك تتابع الفصول بشكل مثير غامض، وأكثر سريالية، لتكشف عن ظلم البشر، وأثر الحروب على البشرية، ومدى الدمار الذي تحدثه تلك الحروب على الذات الإنسانية فيما بعد.
إنها رواية قلقة، تؤطر لأدب الحرب والفنتازيا،وأدب الرعب. أو هي رواية الواقع الصعب؛ الذي يكشف عن الصورة الصادمة للحروب على الإنسان والكون والعالم والحياة.
—————
* ولد الكاتب “دانيال كراوس” في ولاية ميدلاند، ميشيغان ، بالولايات المتحدة الأمريكية، في السابع من يونيو عام 1975،وهو كاتب أمريكي معروف بكتاباته الروائية الساخرة، والتي تتناول العالم بشكل فنتازي، ومثير للرعب كذلك. كما بدأ حياته بنشر العديد من القصص في المجلات والصحف الأمريكية، ثم اتجه إلى كتابة الرواية، كما عمل منذ عام 2012 محرراً بقسم كتب الشباب في مجلة Booklist الأمريكية،وقد أصدر حوالي 22 رواية، منها : رواية “سقوط الحوت” (2023)،” سقوط الملاك” (2025)، و”الموتى الأحياء” (2020- بالاشتراك مع جورج أ. روميرو) وغيرها. كما أصدر ثلاث روايات مصورة وكتاب غير روائي عام 2026. وقد حاز العديد من الجوائز منها: جائزة برام ستوكر (2022)،ثم جائزة بوليتزر (2026).
————–







