13 ساعة من النار والدخان.. حكاية رجال الحماية المدنية في سنترال رمسيس

كتبت: رانيا سمير
لم يكن مساء الإثنين في وسط القاهرة عاديًا. في قلب منطقة الأزبكية، حيث الزحام لا يهدأ، انطلقت صافرات سيارات الإطفاء، واخترقت ألسنة اللهب واجهة مبنى سنترال رمسيس. بدأ كل شيء في الطابق السابع، مجرد شرارة صغيرة تحولت إلى جحيم امتدّ كالنار في الهشيم، وتكررت النيران ثلاث مرات في سيناريو لا يعرف التهدئة.

في المشهد الأول، يظهر وجه شاب غارق في العرق، وجهه ملطّخ بالسخام، يحمل على كتفيه أسطوانة الأوكسجين الثقيلة كأنها جزء من جلده. إنه أحد رجال الإطفاء الذين هرعوا إلى المبنى فور النداء. نظراته ليست فقط تعبيرًا عن الإرهاق، بل عن الإصرار أيضًا. خلفه تقف النيران، وأمامه أرواح عالقة.
13 ساعة من القتال
على مدار 13 ساعة متواصلة، لم يُغمد رجال الحماية المدنية خراطيمهم. 12 سيارة إطفاء انتشرت كخلايا نحل، وسلمان هيدروليكيان ارتفعا في الهواء لملاحقة النيران من علٍ، حيث وقف رجال الإطفاء يقاتلون اللهب كما لو أنهم في معركة حياة أو موت.
صورة أخرى تظهر رجل إطفاء يجلس منهكًا على الرصيف، عرقه يختلط بغبار الليل، يلتقط أنفاسه بصعوبة بينما تتسلل أنفاس الدخان من كل زاوية. لا يحمل نجومًا على كتفيه فحسب، بل أيضًا ندوبًا خفية لحريق لا يرحم.
المأساة
حين انتهى الدخان من حجب الرؤية، تكشفت الخسائر: أربعة موظفين من وزارة الاتصالات فقدوا حياتهم، و27 آخرون أصيبوا. كانوا يؤدون عملهم حين باغتهم الحريق، دون سابق إنذار. النيران لم تفرّق بين مكتب وأروقة، ولا بين أوراق وقلوب.
وراء الكواليس
لم تكن المعركة ضد الحريق فقط. كانت هناك معركة موازية لتأمين المنطقة. فصل التيار الكهربائي والغاز، استدعاء خزانات استراتيجية من مياه الشرب بسعة 35 طن، وتمركز 8 سيارات إسعاف تحسبًا لأي طارئ. القيادات الأمنية والتنفيذية حضرت للإشراف، لكن البطولة ظلت في يد من واجهوا النار مباشرة.
رجل يقف في السماء
وفي صورة ثالثة، يلوح رجل إطفاء من أعلى سُلَّم هيدروليكي، يواجه سحابة كثيفة من الدخان. يقف في مواجهة اللهب، يطلق الماء من خرطوم معدني وكأنه يطلق الأمل. خلفه السماء برتقالية، لا بفعل غروب الشمس، بل من توهج النار. لا يعرف مَن بالأسفل من هذا الرجل، لكنه هناك، وحده، في وجه العاصفة.

التحقيقات
باشرت النيابة العامة التحقيق في الحادث، وقررت تشكيل لجنة فنية لمعرفة أسباب الحريق، وطلبت تقريرًا عاجلًا عن سبب الماس الكهربائي. لكن في قلب التحقيقات، ظلّت الحقيقة الكبرى واضحة: لولا رجال الإطفاء، لكانت الخسائر كارثية.
هؤلاء الجنود المجهولون
رجال الحماية المدنية لا يعرفهم أحد بالاسم. لا تسبقهم أضواء الشهرة، ولا يتصدرون عناوين الأخبار، لكنهم هناك، دائمًا، في الخلفية، يحاربون ما لا يُرى. في هذا الحريق، كما في كل حريق، أثبتوا أنهم الجنود المجهولون الذين يكتبون فصول البطولة بصمت وتعب، ودموع لا نراها خلف الأقنعة.
في سنترال رمسيس، لم تُطفأ النيران فقط، بل اشتعلت في قلوبنا قصص بطولة تستحق أن تُروى.







