سيد الأسيوطي يكتب: معركة القصر بين المعارضة ودولة القانون

لم تعد قضية إزالة إحدى القصور من على ضفاف نهر النيل مجرد خلافٍ بين مالكٍ القصر و الجهةٍ الإدارية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمفهوم دولة القانون في مصر،
وإلى سؤال سياسي وأخلاقي يستحق التوقف أمامه: هل نقف مع الأشخاص أم مع القواعد التي تحكم الجميع؟
فمنذ أن أعلنت الدولة المصرية عن الإستمرار في إزالة التعديات على نهر النيل ضمن مشروع تطوير الواجهة النيلية واستعادة حق المصريين في نيلهم.
لم يتوقع أحد أن تتحول القضية إلى معركة سياسية يتصدرها بيان صادر عن الحركة المدنية الديمقراطية دفاعًا عن صاحب القصر المهندس أكمل قرطام رئيس حزب المحافظين.
هنا لا يكون الجدل حول شخص المهندس أكمل قرطام، ولا حول مكانته السياسية أو الاقتصادية، وإنما حول المبدأ ذاته.
فإذا كانت الجهات المختصة تؤكد أن الإزالة استهدفت أجزاءً مخالفة ومتعدية على أملاك الدولة ومجرى النهر، وأن الإجراءات تمت استنادًا إلى القانون
فإن الفيصل يجب أن يكون القضاء والقانون والوثائق الرسمية، لا البيانات السياسية ولا المواقف الحزبية.
فإن نهر النيل ليس ملكًا لفرد، مهما كانت مكانته، وليس ملكًا لحزب مهما كان تاريخه، بل هو شريان حياة أمة بأكملها، وحق أصيل لكل المصريين.. ومن ثم فإن حماية النيل من التعديات ليست إجراءات إدارية، بل واجب وطني يرتبط بالأمن القومي المائي وهيبة الدولة.
واللافت للنظر أن بيان الحركة المدنية لم يثير الجدل في الشارع المصري فقط، بل أثار خلافات داخل صفوف المعارضة نفسها، حيث ظهرت أصوات رافضة لتحويل قضية قانونية تتعلق بالتعديات على أملاك الدولة إلى معركة سياسية
وهو ما كشف عن وجود خلافات حقيقية في فهم دور المعارضة وحدود مسؤوليتها الوطنية.
فالمعارضة الوطنية الحقيقية هي التي تميز بين الدفاع عن الحقوق والحريات، وبين الوقوف في مواجهة تطبيق القانون. كما أن الدولة القوية هي التي تطبق القوانين، على الجميع بلا استثناء أو تمييز.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو ازدواجية المعايير؛.
وفي تقديري، فإن معركة القصر ليست معركة بين السلطة والمعارضة، وإنما معركة بين منطق الدولة التي تسعى لاستعادة حق عام يخص ملايين المواطنين، ومنطق تحويل أي إجراءات قانونية إلى قضية سياسية للإثارة.
كما أن القضية لا يمكن النظر إليها بمعزل عن المشروع الحضاري الكبير الذي تنفذه الدولة المصرية على امتداد ضفاف النيل
والذي يستهدف استعادة الوجه الحضاري للنهر الخالد وإعادة الحق العام إلى المواطنين بعد عقود طويلة من التعديات والمخالفات.
فمشروع “ممشى مصر” لم يكن مجرد مشروع جمالي فقط أو تطوير عمراني تقليدي، بل يمثل رؤية وطنية تهدف لتحويل ضفاف النيل إلى متنفس حضاري وثقافي وسياحي مفتوح يستفيد منه الجميع دون تمييز.
ومن هنا فإن أي إجراءات تتعلق بإزالة التعديات على حرم النهر يجب أن تُقرأ في إطار هذه الرؤية الشاملة التي تضع المصلحة العامة فوق أي اعتبارات أخرى.
ويبقى الدرس الأهم أن الحفاظ على هيبة القانون هو الضمانة الحقيقية للعدل، وأن حماية النيل ليست قضية حكومة أو حزب أو تيار، بل قضية وطن بأكمله.
وحين يقف الجميع تحت مظلة القانون، تنتصر الدولة وينتصر المواطن، أما حين تصبح المصالح الخاصة أعلى من الحق العام، فإن الخاسر الأول والأخير هو الوطن.
إن مصر التي شيدت أعظم حضارة على ضفاف النيل، لا يمكن أن تسمح بأن يتحول هذا النهر العظيم إلى ساحة للمصالح الخاصة أو التعديات مهما كانت هوية أصحابها.
فالنيل ملك لكل المصريين، كما أن القانون مظلة واحدة للجميع لا يفرق بين مواطن عادي وشخصية عامة و صاحب نفوذ.
ففي لحظات الاختبار الكبرى، لا يكون الانحياز الحقيقي للأشخاص، بل للوطن.
ولذلك ستبقى معركة القصر هي الإختبار الحقيقي لسيادة القانون واحترام الحق العام.
فإذا انتصر القانون انتصرت الدولة، وإذا انتصرت الدولة انتصر المواطن، وإذا انتصر المواطن انتصرت مصر.
حفظ الله مصر، وحفظ نيلها الخالد لتظل دائمًا دولة الحضارة و التاريخ والعدالة و القانون، وتحيا مصر بوحدتها دائما.






