مقالات

علاء عبدالله يكتب: عندما يتحول معرض الكتاب إلى مصنع للوعي.. قراءة في تجربة “رسالة السلام العالمية” بالإسكندرية 2026

لم تعد معارض الكتب في عصر تتسارع فيه التحديات الفكرية والثقافية مجرد ساحات لعرض الإصدارات الجديدة أو بيع الكتب، بل أصبحت مطالبة بلعب دور أكثر عمقًا في تشكيل الوعي المجتمعي وصناعة الحوار، ومن هذا المنطلق، تكتسب الدراسة التحليلية التي أعدها الدكتور معت الصلاح الدين حول مشاركة مؤسسة رسالة السلام العالمية في معرض الإسكندرية الدولي للكتاب 2026 أهمية خاصة، لأنها تتناول تجربة تجاوزت المفهوم التقليدي للمشاركة الثقافية وقدمت نموذجًا يسعى إلى تحويل الثقافة من نشاط موسمي إلى مشروع مجتمعي متكامل.

تكشف الدراسة أن المؤسسة لم تتعامل مع جناحها في المعرض باعتباره مساحة لعرض المؤلفات فقط وإنما حولته إلى منصة مفتوحة للحوار والنقاش وتبادل الأفكار، فبدلًا من العلاقة التقليدية التي تربط القارئ بالكتاب قدمت نموذجًا يقوم على التفاعل المباشر مع الفكر، من خلال الندوات واللقاءات الثقافية والنقاشات المفتوحة، وهو ما منح المشاركة طابعًا حيويًا وأسهم في جذب شرائح مختلفة من الزوار.

وتبرز الدراسة اعتماد المؤسسة على رؤية فكرية تستند إلى القيم الإنسانية التي يدعو إليها المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي وفي مقدمتها العدل والرحمة والحرية والسلام والأخوة الإنسانية، ولم تظل هذه المبادئ حبيسة الشعارات بل تحولت إلى إطار عملي انعكس في طبيعة الأنشطة والموضوعات التي ناقشتها الندوات، حيث تناولت قضايا تمس المجتمع بصورة مباشرة، مثل مواجهة التطرف، التصدي للشائعات وحروب المعلومات، تعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ ثقافة التعايش، إضافة إلى مناقشة مشكلات الأسرة والعلاقات الزوجية من منظور فكري يستند إلى الرؤية القرآنية.

ومن بين أبرز المحطات التي توقفت عندها الدراسة، الاهتمام بالإصدارات الفكرية التي حملت رسائل للحوار والتقارب بين أبناء المجتمع، وعلى رأسها كتاب “القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية” للمفكر علي محمد الشرفاء الحمادي، والذي اعتبرته الدراسة نموذجًا يعكس توجه المؤسسة نحو تعزيز قيم المواطنة والتسامح والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع، وهو ما فتح المجال أمام نقاشات فكرية تناولت مفهوم الوحدة الإنسانية والحوار بين أتباع الديانات.

ولم تقتصر جهود المؤسسة على تنظيم الفعاليات داخل أروقة المعرض، بل امتدت إلى بناء شراكات مع مؤسسات ثقافية وأكاديمية، وإهداء الإصدارات لقيادات جامعية ومسؤولين وشخصيات عامة بهدف توسيع دائرة التأثير الفكري، كما سلطت الدراسة الضوء على التعاون مع مكتبة الإسكندرية وإطلاق الجزء التاسع من مؤلفات علي محمد الشرفاء الحمادي، إلى جانب تنظيم مائدة مستديرة في معهد العجمي العالي، بما يعكس حرص المؤسسة على استمرار النقاش الفكري خارج حدود المعرض.

وتؤكد الدراسة أن أحد أهم عناصر نجاح التجربة تمثل في تنوع الحضور، حيث جمعت الفعاليات مسؤولين حكوميين، وأكاديميين ورجال دين مسلمين ومسيحيين، وشخصيات عامة، إلى جانب مشاركين من عدة دول عربية وأجنبية، في مشهد يجسد فكرة الحوار الإنساني العابر للحدود والانتماءات، ويعكس قدرة الثقافة على بناء جسور التواصل بين مختلف الأطياف.

وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن فقط في عدد الندوات أو الإصدارات، وإنما في الرسالة التي تحملها، وهي أن الثقافة تستطيع أن تكون شريكًا أساسيًا في مواجهة التحديات المجتمعية إذا خرجت من إطارها التقليدي، وربطت الفكر بقضايا الناس اليومية. فالوعي لا يُبنى بالمواعظ وحدها وإنما بالحوار المستمر، وإتاحة الفرصة أمام الجميع للمشاركة في صناعة الأفكار وتبادل الرؤى.

لقد قدمت مؤسسة رسالة السلام العالمية، وفق ما عرضته الدراسة، نموذجًا مختلفًا لدور المؤسسات الثقافية في المجتمع، يقوم على التفاعل والانفتاح ويؤكد أن معرض الكتاب يمكن أن يتحول إلى مساحة لإنتاج الوعي وليس مجرد سوق للكتب، وهي تجربة تستحق التأمل، لأنها تفتح الباب أمام إعادة التفكير في وظيفة الفعاليات الثقافية ودورها في ترسيخ قيم السلام، وتعزيز الانتماء الوطني، وبناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);