مقالات

علاء عبدالله يكتب: عندما يستعيد الدين جوهره الإنساني.. قراءة في دعوة علي الشرفاء للعودة إلى المرجعية الإلهية

يفتح مقال المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء، “العودة إلى المرجعية الإلهية” مساحة مهمة للتأمل في واحدة من أكثر القضايا حضورًا في المجتمعات العربية، وهي العلاقة بين النص الديني وما تراكم حوله من اجتهادات وتفسيرات بشرية عبر التاريخ، فالطرح لا يقف عند حدود الاختلاف بين المذاهب أو الأديان، وإنما يذهب إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بكيفية استعادة جوهر الرسالة الدينية بعيدًا عن الصراعات والانقسامات التي صنعها الإنسان.

وتكمن أهمية المقال في محاولته وضع حد فاصل بين المرجعية الإلهية والاجتهاد البشري، خصوصًا عندما تتحول بعض التفسيرات والاجتهادات إلى مسلمات غير قابلة للنقاش وكأنها تمثل الحقيقة المطلقة، وهنا تظهر أهمية إعمال العقل والتدبر لأن الإيمان الواعي لا ينبغي أن يقوم على التلقين وحده، وإنما يحتاج إلى فهم وبحث وقدرة على التمييز بين جوهر النص الديني وبين القراءات البشرية التي ارتبط بعضها بظروف تاريخية واجتماعية وسياسية معينة.

كما يلفت طرح علي الشرفاء الانتباه إلى خطورة توظيف الدين في الصراعات السياسية، وتحويله من رسالة روحية وأخلاقية إلى وسيلة للتنافس على السلطة أو تحقيق المصالح، فعندما يصبح الدين جزءًا من الاستقطاب السياسي، قد تتحول القيم التي يفترض أن تجمع الناس إلى أدوات للانقسام، ويصبح الاختلاف في الرأي أو المذهب سببًا للصراع بدلًا من أن يكون مساحة للحوار والتفاهم.

ومن هنا تبدو الدعوة إلى فصل جوهر الدين عن الاستخدامات السياسية الضيقة قضية تتجاوز حدود الخلاف الفكري لأنها ترتبط بشكل مباشر بأمن المجتمعات واستقرارها، فالدين في جوهره رسالة لإصلاح الإنسان وبناء الضمير وترسيخ قيم العدل والرحمة والسلام وليس وسيلة لمنح طرف حق إقصاء طرف آخر أو احتكار الحقيقة.

ومن أكثر الأفكار التي تستحق التوقف أمامها في المقال التأكيد على قيمة الكرامة الإنسانية باعتبارها معيارًا مهمًا لفهم صدق التدين، فالإنسان لا يفقد قيمته بسبب اختلافه في الدين أو المذهب أو الفكر، ولا ينبغي أن يتحول الاختلاف إلى مبرر للكراهية أو العنف أو الانتقاص من حقوق الآخرين، وهذه الرؤية تضع الإنسان في قلب الخطاب الديني، وتعيد التذكير بأن القيم الأخلاقية لا يمكن أن تنفصل عن أي رسالة دينية حقيقية.

كذلك يطرح المقال قضية التفكير الواعي باعتباره أحد أهم وسائل مواجهة التطرف، فحين يتوقف الإنسان عن السؤال والمراجعة يصبح أكثر قابلية لتصديق الشائعات والخطابات المتشددة، وقد يتحول بسهولة إلى تابع يكرر ما يسمعه دون فهم، ولذلك فإن مواجهة التطرف لا تبدأ فقط من التعامل مع نتائجه، وإنما تبدأ من بناء عقل قادر على التفكير والتحليل والتدبر والتمييز بين الحقيقة والادعاء، وبين الإيمان الواعي والتلقين الأعمى.

ومن اللافت أيضًا أن الطرح يبحث عن المساحات المشتركة بين الأديان بدلًا من التركيز على نقاط الاختلاف، فالمحبة والرحمة والسلام واحترام الإنسان قيم إنسانية واسعة لا تتوقف عند حدود مذهب أو طائفة، ويمكن أن تكون أساسًا لحوار حقيقي بين أتباع الأديان المختلفة، وفي هذا السياق يصبح الدين عاملًا للتقارب وبناء الجسور، لا وقودًا للصراعات.

وفي تقديري، فإن القيمة الأساسية التي يحملها مقال علي محمد الشرفاء تتمثل في أنه يعيد النقاش إلى الإنسان نفسه وليس فقط إلى الجدل حول التفسيرات والمذاهب، فالسؤال الأهم ليس فقط ماذا يقول كل طرف عن الآخر، وإنما ماذا صنعت هذه الأفكار في حياة الإنسان؟ وهل أسهمت في نشر الرحمة والعدل والسلام، أم أصبحت سببًا في الكراهية والانقسام؟

إن العودة إلى المرجعية الإلهية، وفق الرؤية التي يطرحها المقال يمكن فهمها باعتبارها دعوة إلى استعادة جوهر الرسالة الدينية، مع منح العقل مساحة للتفكير والمراجعة وعدم تحويل الاجتهاد البشري إلى حقيقة مقدسة لا تقبل النقاش، وهي دعوة في جوهرها إلى خطاب ديني أكثر قدرة على جمع الناس وأقل قابلية للتوظيف في الصراعات السياسية والمذهبية.

وفي وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مواجهة خطاب الكراهية والتعصب، تبدو هذه الرؤية جديرة بالنقاش ليس باعتبارها محاولة لإلغاء الاختلاف، وإنما باعتبارها بحثًا عن أرضية مشتركة يستطيع الإنسان من خلالها أن يختلف دون أن يتحول اختلافه إلى عداوة، فالمجتمعات لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تعمق الانقسام بقدر حاجتها إلى خطاب يعيد الاعتبار للإنسان وكرامته ويجعل من الدين طريقًا إلى الإصلاح والسلام.

وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأبرز في هذا الطرح أن قيمة الدين تظهر في أثره على الإنسان والمجتمع؛ فإذا قاد الإيمان إلى الرحمة والعدل واحترام الآخر، اقترب من جوهر رسالته، وإذا تحول إلى وسيلة للكراهية والإقصاء والصراع فإن الحاجة تصبح أكبر إلى مراجعة الخطاب الذي يقدمه للناس، فالإنسان الذي يستعيد علاقته بالقيم الإلهية والإنسانية يصبح أكثر قدرة على بناء السلام وأكثر ابتعادًا عن التعصب والصراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);