علاء عبدالله يكتب: حين يصبح القرآن خط الدفاع الأول عن الأوطان.. الوعي والأخلاق في مواجهة الفتنة والانقسام

في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه المجتمعات، لم تعد معركة الحفاظ على الأوطان مرتبطة فقط بحماية الحدود أو قوة المؤسسات، وإنما أصبحت معركة أعمق تتعلق بالإنسان نفسه؛ بوعيه، وأخلاقه، وقدرته على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين الاختلاف المشروع والخلاف الذي يتحول إلى خصومة، وبين حرية التعبير والفوضى التي يمكن أن تهدد استقرار المجتمع.
ومن هذه الزاوية يطرح محمد الجكاني في مقاله “الفكر القرآني درع الأوطان” رؤية تتجاوز التعامل مع القرآن الكريم باعتباره نصا دينيا يقرأ ويتلى، لتضعه في إطار منظومة متكاملة من القيم التي يمكن أن تسهم في بناء الإنسان وتعزيز تماسك المجتمع وحماية الدولة من الأخطار التي قد تبدأ صغيرة داخل النسيج الاجتماعي قبل أن تتحول إلى أزمات واسعة.
وينطلق المقال من فكرة محورية مفادها أن حماية الوطن تبدأ من الداخل، وأن أقوى الجدران التي يمكن أن تحمي المجتمعات ليست دائما مادية، وإنما قد تكون منظومة من القيم الراسخة التي تجعل المواطن أكثر حرصا على وطنه، وأكثر احتراما للآخر، وأكثر قدرة على ضبط سلوكه وكلماته ومواقفه.
وهنا يستند الكاتب إلى مشروع المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي يركز في طرحه على ضرورة استعادة الحضور العملي للقرآن في حياة الإنسان وليس الاكتفاء بحضوره في الخطاب الديني، وهذه النقطة تحديدا تمنح المقال بعدا مهما، لأنها تنقل النقاش من سؤال “ماذا نقرأ؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “ماذا نفعل بما نقرأ؟”.
فالقيمة الحقيقية لأي منظومة أخلاقية لا تظهر في الشعارات التي يرددها الناس، وإنما في سلوكهم عندما يواجهون الاختلاف أو الأزمات أو المصالح المتعارضة، والحديث عن العدل لا يصبح ذا قيمة إذا لم يتحول إلى ممارسة، والدعوة إلى الرحمة تفقد معناها إذا غابت عن العلاقات اليومية، والتحذير من الفتنة لا يكفي إذا كان الإنسان يساهم بنفسه في نشر الشائعات والتحريض والكراهية.
ومن هنا تبدو الفكرة الأساسية للمقال أكثر ارتباطا بالواقع المعاصر؛ فالمجتمعات اليوم تواجه نوعا جديدا من المخاطر لا يحتاج إلى جيوش أو أسلحة حتى ينتشر، إذ يمكن لمنشور مضلل أو خبر كاذب أو خطاب تحريضي أن يصل إلى آلاف الأشخاص في دقائق، وأن يخلق حالة من التوتر يصعب احتواؤها بعد ذلك.
وهذا يجعل الوعي مسؤولية جماعية، ويجعل الكلمة أداة يمكن أن تبني أو تهدم. فالمواطن الذي يعيد نشر معلومة دون تحقق قد يتحول، من حيث لا يدري إلى جزء من أزمة أكبر منه، بينما المواطن الذي يتوقف ليتأكد ويفكر قبل أن يشارك أو يحكم أو يتهم، يساهم في حماية مجتمعه حتى لو بدا فعله بسيطا.
وهنا تأتي أهمية الربط الذي يقدمه المقال بين الفكر القرآني والأمن المجتمعي، فالفكرة لا تتحدث عن القرآن بوصفه بديلا عن الدولة أو مؤسساتها أو قوانينها، وإنما باعتباره مصدرا للقيم التي يحتاج إليها الإنسان حتى تكون المؤسسات نفسها أكثر قدرة على أداء دورها.
فلا يمكن بناء مجتمع متماسك بقوانين قوية فقط إذا كانت الثقة بين أفراده ضعيفة، ولا يمكن مواجهة التحديات الخارجية إذا كانت الجبهة الداخلية مستنزفة بالصراعات، ولا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي إذا تحولت الاختلافات الطبيعية بين أبناء المجتمع إلى حالة دائمة من التخوين والعداء، وهذه واحدة من أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من المقال: أن الأمن له بعد أخلاقي وفكري لا يقل أهمية عن البعد السياسي أو الاقتصادي أو الأمني.
فالإنسان الذي يرفض الظلم، ويتحرى الصدق، ويحترم القانون، ويحفظ حقوق الآخرين، ويضع المصلحة العامة فوق مصلحته الشخصية، هو في النهاية عنصر من عناصر حماية الوطن، وبالمقابل فإن انتشار الكراهية والتعصب والانقسام واللامبالاة يمكن أن يضعف المجتمع مهما امتلك من إمكانات مادية.
ويحسب للمقال أيضا أنه لا يقدم العودة إلى القرآن باعتبارها دعوة إلى الانغلاق أو الانفصال عن العصر، بل يقدمها باعتبارها محاولة لاستعادة البعد الأخلاقي في التعامل مع العصر، فالتكنولوجيا تحتاج إلى مسؤولية، والإعلام يحتاج إلى صدق، والسياسة تحتاج إلى عدل، ووسائل التواصل تحتاج إلى وعي، والقوة تحتاج إلى ضوابط أخلاقية تمنع تحولها إلى وسيلة للإضرار بالآخرين.
وفي هذا السياق يصبح “الفكر القرآني” مفهوما يتجاوز حدود المعرفة النظرية إلى ممارسة يومية، وأن يكون الإنسان عادلا عندما يختلف، ومتسامحا عندما يستطيع الانتقام، وصادقا عندما يكون الكذب أكثر سهولة، ومسؤولا عندما تكون الفوضى أقل كلفة بالنسبة إليه؛ هنا تتحول القيم من نصوص إلى واقع، ومن أفكار إلى سلوك.
كما يلفت المقال النظر إلى قضية شديدة الأهمية، وهي أن الوطن ليس مجرد أرض وحدود ومؤسسات، وإنما شبكة من العلاقات الإنسانية والمصالح والحقوق والواجبات، ولذلك فإن الدفاع عن الوطن يبدأ أيضا من الدفاع عن هذه الروابط التي تجعل المجتمع متماسكا وقادرا على تجاوز أزماته.
واللافت أن الكاتب لا يتعامل مع مشروع علي محمد الشرفاء الحمادي باعتباره فكرة مغلقة لا تقبل النقاش، بل يشير إلى إمكانية الاختلاف حول بعض الاجتهادات وطرائق الاستنتاج، مع التأكيد على أن الاختلاف نفسه يمكن أن يكون مدخلا لحوار فكري جاد، وهذه نقطة تحسب للنص، لأنها تضع الفكر في مساحة النقاش لا في مساحة التلقين.
فالمشروعات الفكرية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد المتفقين معها، وإنما بقدرتها على طرح أسئلة جديدة وتحريك النقاش حول قضايا تبدو أحيانا محسومة أو معتادة، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف يمكن تحويل القيم التي نتحدث عنها باستمرار إلى ثقافة حقيقية يعيشها الناس في تفاصيل حياتهم؟
الإجابة لا تبدو سهلة، لكنها تبدأ من الإنسان. فالمدرس الذي يؤدي رسالته بإخلاص، والطبيب الذي يحافظ على أمانة مهنته، والعامل الذي يتقن عمله، والإعلامي الذي يتحرى الدقة، والمسؤول الذي يلتزم بالعدل، والمواطن الذي يحترم القانون ويحافظ على الممتلكات العامة، جميعهم يمارسون شكلا من أشكال حماية الوطن.
وهذا تحديدا ما يجعل عنوان المقال “الفكر القرآني درع الأوطان” قابلا للقراءة باعتباره فكرة عن “المناعة الداخلية” للمجتمع، فالدرع المقصود ليس بديلا عن الجيش أو أجهزة الدولة أو القانون، وإنما هو وعي يمنع المجتمع من الانهيار أمام الشائعات، وأخلاق تحد من الكراهية، وعقل يرفض الانسياق وراء التحريض، وضمير يمنع الإنسان من الإضرار بغيره.
وفي النهاية، يضع المقال يده على قضية شديدة الأهمية: الأوطان لا تحميها الإمكانات وحدها، وإنما يحميها الإنسان الذي يدرك قيمة ما يمتلكه ويحسن استخدامه، وإذا كانت الجيوش تحمي الحدود، فإن الأخلاق تحمي وحدة المجتمع، وإذا كانت القوانين تنظم السلوك، فإن الضمير يمنح القانون روحه، وإذا كانت المؤسسات تبني الدولة، فإن وعي الإنسان هو الذي يحافظ على استقرارها.






