مقالات

علاء عبدالله يكتب: أخطر خدعة للشيطان.. لماذا يظن الإنسان أنه على الحق وهو يسير إلى الضلال؟

يخوض الإنسان طوال حياته معركة قد لا يراها بعينيه لكنها الأكثر تأثيرًا في مصيره، إنها ليست معركة مع الآخرين أو مع ظروف الحياة، بل صراع داخلي يدور في أعماق النفس، حيث تتصارع الحقيقة مع الهوى.والوعي مع الوهم، ومن هذا المنطلق، يقدم المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية، رؤية تدعو إلى إعادة قراءة هذا الصراع في ضوء القرآن الكريم باعتباره المرجعية التي تكشف مكامن الخداع وتضع الإنسان أمام مسؤوليته الكاملة.

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يحمل في طياته قضية وجودية عميقة: كيف يمكن لإنسان أن يقضي عمره كله مقتنعًا بأنه يسير في طريق الحق، ثم يكتشف أنه كان بعيدًا عنه؟، وتكمن الإجابة في أن أخطر المعارك لا تدور خارج الإنسان.وإنما في داخله، فالقرآن الكريم حين يصف الإنسان بأنه “خلق في كبد” لا يتحدث عن مشقة الحياة فقط، بل عن طبيعة الوجود الإنساني القائم على الاختبار الدائم بين الحق والباطل، والخير والشر، والهوى والهداية.

يؤكد الطرح أن الشيطان لا يخلق الشهوات والرغبات داخل الإنسان وإنما يستثمر ما هو موجود بالفعل في النفس البشرية، فهو يضخم الأهواء ويزينها حتى تبدو مقبولة فيتحول الخطأ تدريجيًا إلى أمر طبيعي، ثم إلى قناعة راسخة، وهنا تكمن خطورة الخداع فالإنسان قد لا يشعر بأنه انحرف عن الطريق، لأنه يرى أفعاله صحيحة ومبررة.

قصة إبليس، كما يعرضها القرآن الكريم، تكشف أن أصل الضلال لم يكن إنكار وجود الله وإنما الاستكبار واتباع الهوى، فعندما رفض إبليس السجود لآدم، لم يكن يجهل أمر الله، بل قدم رأيه الشخصي على أمر الخالق، فكان الهوى هو بداية السقوط، ومن هنا يصبح اتباع الهوى امتدادًا لذلك الانحراف الأول، حين يجعل الإنسان رغباته الشخصية هي المعيار الذي يقيس به الحق والباطل.

لا يبدأ الشيطان دعوته إلى المعصية بأوامر مباشرة بل يعمل على تغيير طريقة التفكير نفسها، فالقرآن الكريم يختصر هذه الآلية بقوله: “وزين لهم الشيطان أعمالهم”، أي إنه يجعل الباطل يبدو جميلًا، ويحول الخطأ إلى فضيلة في نظر صاحبه، ولهذا قد يرتكب الإنسان أفعالًا خاطئة وهو مقتنع تمامًا بأنه يؤدي واجبًا أو يدافع عن قضية عادلة.

ومن أخطر صور التزيين أن يختلط الحق بالباطل تحت غطاء ديني، فتقدم اجتهادات البشر أو العادات الموروثة على النصوص القرآنية الواضحة، وتتحول مع مرور الزمن إلى مسلمات لا تقبل النقاش، ويرى الطرح أن هذا المسار قد يقود إلى ممارسات لا أصل لها في الدين لكنها تكتسب مع الوقت قداسة مصطنعة بسبب التكرار والتقليد.

يحذر الكاتب من أخطر الأوهام وهو الاعتقاد بأن مجرد الانتماء إلى جماعة أو تيار أو الاعتماد على شفاعة مطلقة يكفي للنجاة، فالقرآن.بحسب هذه الرؤية، يؤكد أن النجاة تقوم على المسؤولية الفردية، وأن الإنسان يحاسب على عمله وسعيه لا على انتمائه أو شعاراته.

تكمن المأساة الحقيقية في أن الإنسان قد يبلغ مرحلة يعتقد فيها أنه على قمة الهداية.بينما يكون غارقًا في الضلال، وهذه الحالة تجعل مراجعة النفس شبه مستحيلة لأن من لا يشعر بوجود الخطأ لن يبحث عن تصحيحه.

يؤكد المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي أن القرآن الكريم لا يدعو إلى إيمان قائم على التمني.وإنما إلى وعي دائم ومراجعة مستمرة للنفس، فالنجاة تبدأ عندما يجعل الإنسان القرآن مرجعه الأول.ويتدبر آياته بعيدًا عن التعصب والأهواء، مع امتلاك الشجاعة للاعتراف بالخطأ والرجوع عنه.

الهداية ليست هبة تمنح بلا سعي، وإنما ثمرة مجاهدة النفس والبحث الصادق عن الحقيقة، وهو ما تؤكده الآية الكريمة ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾، فكلما ازداد الإنسان وعيًا بنفسه، وراجع أفكاره ومعتقداته في ضوء القرآن، اقترب من الحقيقة وابتعد عن أوهام النفس وتزيين الشيطان.

الإيمان، في جوهره، ليس مجرد شعور داخلي أو كلمات تردد، بل هو حالة دائمة من الوعي والبصيرة، وبين طريق تزينه الأهواء فيبدو سهلًا وآخر يحتاج إلى مراجعة ومجاهدة لكنه يقود إلى النور، يبقى القرار مسؤولية فردية يتحملها كل إنسان، فالنجاة لا تتحقق باليقين الموروث أو الانتماءات، وإنما بالوعي، والتدبر، والتمسك بهدي القرآن الكريم حتى لا يتحول الإنسان إلى ضحية لوهم يظنه هداية وهو في حقيقته طريق إلى الضلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);