تقارير و تحقيقات

 هل يأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتك؟ 5.6 مليون وظيفة للشباب مهددة عالميًا

دخل سوق العمل العالمي مرحلة جديدة مع التسارع الكبير في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت الذي ينظر فيه ملايين الشباب إلى هذه التكنولوجيا باعتبارها وسيلة للحصول على فرص عمل جديدة، كشفت بيانات حديثة لمنظمة العمل الدولية عن جانب آخر من الصورة، يتمثل في تعرض ملايين الوظائف التي يشغلها الشباب حول العالم لتغيرات محتملة بسبب الذكاء الاصطناعي.

وبحسب أحدث تقرير لمنظمة العمل الدولية حول اتجاهات التوظيف والاتجاهات الاجتماعية لعام 2026، ارتفع معدل البطالة بين الشباب عالميًا خلال عام 2025 إلى 12.4%، بما يعادل نحو 67 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، في انتكاسة محدودة بعد التحسن الذي شهده سوق العمل عقب جائحة كورونا.

ولا تتوقف الأزمة عند البطالة، إذ تشير بيانات المنظمة إلى أن نحو 20% من الشباب حول العالم ليسوا في عمل أو تعليم أو تدريب، وهو ما يعادل أكثر من 257 مليون شخص، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه الجيل الجديد في الوصول إلى سوق العمل والحصول على وظائف مستقرة.

 الذكاء الاصطناعي يدخل على الخط

في خضم هذه التحديات، أصبح الذكاء الاصطناعي عاملًا جديدًا قد يعيد تشكيل طبيعة الوظائف المتاحة للشباب، خاصة مع توسع الشركات في استخدام الأدوات القادرة على تنفيذ عدد كبير من المهام المكتبية والإدارية والمعلوماتية.

وتقدر منظمة العمل الدولية أن 6.1% من الوظائف التي يشغلها أشخاص تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا تقع ضمن المهن الأكثر تعرضًا للتغيرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ولا يعني ذلك أن جميع هذه الوظائف ستختفي، وإنما يشير إلى أنها قد تتعرض لتحولات كبيرة في طبيعة المهام المطلوبة من العاملين فيها.

لكن السيناريو الأكثر إثارة للقلق يظهر عند افتراض اختفاء جزء فقط من هذه الوظائف، إذ تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أنه إذا اختفى 10% من الوظائف الواقعة ضمن هذه الفئة نتيجة التأثيرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فقد يواجه نحو 5.6 مليون شاب حول العالم خطر فقدان وظائفهم أو الاضطرار إلى تغيير مساراتهم المهنية أو الخروج من سوق العمل.

ما الوظائف الأكثر تعرضًا للتغيير؟

تشير منظمة العمل الدولية إلى أن الوظائف متوسطة المهارات، ومن بينها بعض الوظائف الكتابية والإدارية والمبيعات والتصنيع، تواجه ضغوطًا متزايدة، وهي وظائف كانت تمثل في السابق نقطة دخول مهمة للشباب إلى سوق العمل بعد الدراسة.

وتكمن المشكلة في أن اختفاء أو تقلص هذه الوظائف لا يعني فقط فقدان عدد من فرص العمل الحالية، وإنما قد يجعل الطريق أمام الشباب للحصول على أول وظيفة أكثر صعوبة، خصوصًا إذا أصبحت الشركات قادرة على تنفيذ بعض المهام التي كان يؤديها الموظفون المبتدئون باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

 هل الذكاء الاصطناعي سيقضي على الوظائف؟

الإجابة ليست بهذه البساطة، فبيانات منظمة العمل الدولية لا تتحدث عن سيناريو تختفي فيه الوظائف البشرية بالكامل، وإنما تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يغير طبيعة عدد كبير من الوظائف، بينما يمكن أن يؤدي في الوقت نفسه إلى ظهور وظائف ومهارات جديدة.

وتوضح المنظمة أن قطاعات مرتفعة المهارات، مثل العلوم والهندسة والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات، تشهد استمرارًا في نمو الوظائف في العديد من البلدان، وهو ما يعكس الجانب الآخر من التحول التكنولوجي.

وبالتالي، فإن الخطر الحقيقي قد لا يكون في «اختفاء العمل» بقدر ما يتمثل في تغير المهارات التي يحتاج إليها العامل للحصول على وظيفة والاستمرار فيها.

 الشباب أمام معادلة جديدة

أصبح الشباب أمام سوق عمل مختلف عن السنوات السابقة، إذ لم يعد الحصول على شهادة دراسية كافيًا بالضرورة لضمان الوصول إلى وظيفة مستقرة، في ظل ارتفاع أهمية المهارات الرقمية والقدرة على التعامل مع التقنيات الحديثة.

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن التحديات أكبر في الدول النامية، حيث يعمل ما يقرب من 9 من كل 10 شباب في البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى في وظائف غير رسمية، غالبًا دون مستويات كافية من الحماية الاجتماعية والعمالية.

وهذا يجعل تأثير التحول التكنولوجي أكثر تعقيدًا، لأن بعض الشباب في هذه الاقتصادات لا يملكون رفاهية البقاء دون عمل لفترات طويلة انتظارًا لوظيفة أفضل، فيضطرون إلى قبول وظائف غير مستقرة أو منخفضة الأجر.

 المنطقة العربية وشمال أفريقيا في دائرة الخطر

وتكشف الأرقام العالمية أن المنطقة العربية تواجه تحديًا كبيرًا في ملف تشغيل الشباب، إذ سجلت الدول العربية أعلى معدل لبطالة الشباب في بيانات عام 2025 عند 26.2%، بينما بلغت النسبة في شمال أفريقيا 22.6%.

وتضع هذه الأرقام المنطقة أمام تحد مزدوج، يتمثل في ارتفاع معدلات بطالة الشباب من جهة، وتسارع التحول التكنولوجي من جهة أخرى، ما يجعل تطوير المهارات والتدريب وإعادة تأهيل العاملين من أهم الأدوات للتعامل مع سوق العمل الجديد.

كما أظهرت تحليلات لمنظمة العمل الدولية أن التعرض للذكاء الاصطناعي لا يتوزع بالتساوي بين جميع الفئات، إذ تتأثر بعض الوظائف المكتبية والإدارية والمهنية بدرجات أعلى من غيرها، ما يجعل طبيعة الوظيفة ومهامها اليومية عاملًا مهمًا في تحديد مستوى التأثر.

 الوظيفة التي ستختفي أم الموظف الذي سيتغير؟

المؤشرات الحالية تشير إلى أن السؤال الأهم خلال السنوات المقبلة قد لا يكون: «هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟»، وإنما: «كيف ستتغير وظيفتي بسبب الذكاء الاصطناعي؟».

فالموظف الذي يستخدم التكنولوجيا الجديدة لإنجاز المهام المتكررة يمكن أن يتحول دوره إلى التركيز على المهام التي تحتاج إلى الإبداع واتخاذ القرار والتواصل البشري، بينما قد تتراجع الحاجة إلى الوظائف التي تعتمد بشكل أساسي على مهام روتينية يمكن للأنظمة الذكية تنفيذها بسرعة أكبر.

ومن هنا، تبدو المنافسة المقبلة في سوق العمل مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرة العاملين على اكتساب مهارات جديدة والتكيف مع الأدوات الحديثة، بدلًا من محاولة منافسة الذكاء الاصطناعي في المهام التي صُممت هذه الأدوات لتنفيذها.

 ماذا يعني ذلك بالنسبة للمستقبل؟

لا تزال التأثيرات النهائية للذكاء الاصطناعي على سوق العمل غير محسومة، لكن المؤشرات الحالية تؤكد أن التغيير بدأ بالفعل، وأن الشباب سيكونون من أكثر الفئات تأثرًا بسبب وجودهم في مرحلة الدخول إلى سوق العمل وبناء مساراتهم المهنية.

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن سوق العمل العالمي يبدو مستقرًا نسبيًا من حيث معدل البطالة الإجمالي، لكن هذا الاستقرار لا يعني بالضرورة أن جودة الوظائف أو فرص الشباب تتحسن بالوتيرة نفسها.

وبينما يفتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام وظائف جديدة في التكنولوجيا والعلوم والهندسة والرعاية الصحية وغيرها، فإنه يفرض في الوقت نفسه ضرورة إعادة التفكير في التعليم والتدريب وربط المهارات التي يحصل عليها الشباب باحتياجات سوق العمل الفعلية.

وفي النهاية، فإن الرقم الأكثر إثارة للانتباه ليس فقط 5.6 مليون وظيفة قد تتأثر في سيناريو فقدان 10% من الوظائف الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي، وإنما وجود 67 مليون شاب عاطل عن العمل بالفعل، وأكثر من 257 مليون شاب خارج التعليم والعمل والتدريب، ما يجعل معركة سوق العمل في عصر الذكاء الاصطناعي مرتبطة بقدرة الدول والشركات والمؤسسات التعليمية على إعداد جيل يستطيع العمل مع التكنولوجيا الجديدة بدلًا من أن يجد نفسه خارج سوق العمل بسببها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);