تقارير و تحقيقات

التصالح في مخالفات البناء أمام البرلمان.. مطالب بخفض الرسوم وتسهيل الإجراءات لإنهاء معاناة الملايين

أسماء صبحي – يعود ملف التصالح في مخالفات البناء إلى واجهة المشهد البرلماني من جديد، وسط مطالب حزبية بضرورة إعادة النظر في عدد من الإجراءات والقواعد المنظمة للمنظومة. بعدما كشفت الممارسات الفعلية عن وجود تحديات لا تزال تعرقل إنهاء أعداد كبيرة من الملفات المقدمة من المواطنين.

ولا يرتبط الجدل الدائر حول التصالح فقط بقيمة الرسوم أو طول فترة الفحص. وإنما يمتد إلى مجموعة متشابكة من الإجراءات، من بينها العدادات الكودية، وتوصيل المرافق، والمستندات المطلوبة، وآليات السداد. وهو ما يجعل الملف أمام اختبار حقيقي لتحقيق التوازن بين حق الدولة في تنظيم العمران وتقنين المخالفات، وبين قدرة المواطنين على تحمل الأعباء المطلوبة لإنهاء أوضاعهم.

التصالح في مخالفات البناء

تكشف البيانات الرسمية عن حجم كبير للملف، بعدما بلغ عدد طلبات التصالح التي تلقتها الجهات المختصة نحو 2.8 مليون طلب. بينما تم الانتهاء من فحص ما يقرب من 1.751 مليون ملف بنسبة تقترب من 87% من الملفات المقدمة وفق البيانات التي استند إليها حزب الوعي.

ورغم ارتفاع نسبة الملفات التي تم التعامل معها، فإن استمرار وجود أعداد من الطلبات في مراحل الفحص والإجراءات يعكس الحاجة إلى مزيد من تسريع دورة العمل. خاصة أن التصالح بالنسبة للمواطن ليس مجرد إجراء إداري وإنما خطوة ترتبط باستقرار وضع العقار وإمكانية التعامل معه بصورة قانونية.

ومن هنا تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تسفر عنه مناقشات اللجان البرلمانية. خصوصًا مع تصاعد المطالب بإزالة العقبات التي تحول دون إتمام إجراءات التصالح في عدد من الحالات.

حزب الوعي: التصالح يحتاج إلى إجراءات أكثر بساطة

يرى حزب الوعي أن منظومة التصالح كان من المفترض أن تمثل نقطة انطلاق نحو ضبط العمران وتقنين أوضاع المخالفات. إلا أن التعقيدات الإدارية وبطء بعض الإجراءات أثرا على تحقيق الهدف بصورة كاملة. ويطالب الحزب بتوحيد خطوات الفحص وتقليل حجم المستندات المطلوبة من المواطنين. إلى جانب تسريع أداء اللجان الفنية بما يساعد على تقليص الفترات التي تستغرقها عملية دراسة الملفات.

وتحمل هذه المطالب أهمية خاصة بالنسبة للمواطن الذي قد يجد نفسه أمام أكثر من جهة أو إجراء للحصول على الموافقات المطلوبة. وهو ما قد يزيد من صعوبة إنهاء الملف خصوصًا بالنسبة لكبار السن أو أصحاب الإمكانات المحدودة.

العدادات الكودية في قلب الأزمة

لم يتوقف الجدل عند إجراءات التصالح نفسها، بل امتد إلى ملف العدادات الكودية وطريقة احتساب استهلاك الكهرباء في العقارات المخالفة. ويطالب حزب الوعي بإعادة النظر في آليات التعامل مع العدادات الكودية بما يراعي حقوق الدولة وفي الوقت نفسه الظروف الاقتصادية للمواطنين. مع ضرورة الوصول إلى صيغة واضحة لا تجعل هذه الإجراءات عقبة إضافية أمام الراغبين في تقنين أوضاعهم.

ويأتي هذا الملف ضمن سلسلة من الإجراءات التي يرى منتقدو المنظومة أنها تحتاج إلى قدر أكبر من الوضوح والتنسيق. حتى لا يجد المواطن نفسه أمام التزامات متداخلة تزيد من صعوبة تسوية وضعه القانوني.

حزب العدل يطالب بفصل التصالح عن المرافق

من جانبه، طرح حزب العدل مجموعة من المقترحات التي تستهدف تخفيف الضغوط الواقعة على المواطنين. وفي مقدمتها الفصل المرحلي بين إجراءات التصالح وإجراءات توصيل المرافق. ويستند هذا الطرح إلى ضرورة عدم تحول الخدمات الأساسية إلى أداة ضغط على المواطن الذي يسعى إلى تقنين وضع العقار. مع الحفاظ في الوقت نفسه على حق الدولة في استكمال إجراءاتها القانونية.

كما دعا الحزب إلى إعادة مراجعة تعريفة العدادات الكودية، بحيث تقوم على التدرج والعدالة في التسعير. إلى جانب توفير آليات أكثر مرونة لسداد رسوم التصالح بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية الحالية.

مرونة السداد مفتاح مهم لإنهاء الملفات

تعد القدرة على سداد الرسوم أحد أبرز العوامل التي قد تؤثر في سرعة إنهاء ملفات التصالح. خاصة أن وجود رسوم مرتفعة أو شروط سداد لا تتناسب مع إمكانات بعض الأسر قد يؤدي إلى تأخير استكمال الإجراءات. ولهذا تركز المطالب الحزبية على توفير نظم سداد أكثر مرونة بما يسمح للمواطن بتسوية وضعه دون أن يتحول المقابل المالي إلى عائق يحول دون إتمام التصالح.

والهدف من هذه المقترحات لا يتمثل في إهدار حق الدولة، وإنما في البحث عن آلية تجعل المواطن قادرًا على الوفاء بالتزاماته. وفي الوقت نفسه تضمن للدولة تحصيل مستحقاتها بصورة منتظمة.

مطالب بتنسيق موحد بين الجهات

ومن المشكلات التي يطرحها النقاش البرلماني أيضًا تعدد الجهات والإجراءات المرتبطة بملف التصالح. وهو ما دفع حزب العدل إلى المطالبة بإطار تنسيقي موحد بين الجهات المعنية.

فكلما كانت الإجراءات واضحة ومحددة، تراجعت فرص تضارب القرارات أو اختلاف متطلبات الفحص من جهة إلى أخرى. وأصبح المواطن أكثر قدرة على معرفة الخطوات التي يتعين عليه تنفيذها منذ بداية تقديم الطلب وحتى صدور القرار النهائي. كما أن توحيد الإجراءات قد يساهم في تقليل الوقت المستغرق في التعامل مع الملفات، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة المواطن والدولة معًا.

حماة الوطن يطالب بتعديل القانون

وفي السياق ذاته، دعا النائب أشرف مرزوق، عضو مجلس النواب عن حزب حماة الوطن. إلى إعادة النظر في بعض مواد قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023 بهدف إزالة العقبات التي ظهرت خلال التطبيق. ويؤكد هذا الطرح أن المشكلة لا تتعلق فقط بكيفية تنفيذ القانون، وإنما قد تستدعي أيضًا مراجعة بعض مواده إذا كشفت التجربة العملية عن نقاط تحتاج إلى تعديل أو إعادة صياغة.

ويرى الحزب أن المطلوب هو الوصول إلى توازن بين الحفاظ على القواعد القانونية المنظمة للعمران وبين التعامل مع الأوضاع القائمة بصورة عملية. بما يساعد على إنهاء حالة الجمود التي تواجه بعض المواطنين.

بين حق الدولة وقدرة المواطن

يبقى جوهر الأزمة في ملف التصالح قائمًا على معادلة دقيقة: الدولة تريد فرض القانون وتنظيم العمران والحفاظ على حقوقها. والمواطن يريد تسوية وضعه بصورة قانونية دون أن يتحمل أعباء تفوق قدرته. ولهذا فإن نجاح المنظومة لن يقاس فقط بعدد الملفات التي تم فحصها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى المرحلة النهائية وإنهاء إجراءات التقنين بصورة فعلية.

فإذا كانت الإجراءات معقدة والرسوم مرتفعة ومتطلبات الفحص متعددة، فقد يتردد المواطن في استكمال المسار القانوني. أما إذا أصبحت الإجراءات أكثر وضوحًا، والرسوم أكثر ملاءمة، والسداد أكثر مرونة، فمن الممكن أن يتحول التصالح إلى وسيلة فعالة لضم مزيد من العقارات إلى الإطار الرسمي.

البرلمان أمام فرصة لإعادة ترتيب الملف

ومع عودة الملف إلى مجلس النواب، تبدو الفرصة مواتية لمراجعة التجربة السابقة والاستماع إلى شكاوى المواطنين والجهات التنفيذية والأحزاب، بدلًا من التعامل مع التصالح باعتباره مجرد إجراءات ورقية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى حلول عملية تتعامل مع تفاصيل المشكلة بدءًا من الفحص والمستندات، مرورًا بالرسوم والعدادات الكودية، وصولًا إلى المرافق وأنظمة السداد.

وفي النهاية، فإن الهدف الحقيقي من التصالح لا ينبغي أن يكون تحصيل الرسوم فقط. وإنما إنهاء حالة المخالفات وتحقيق استقرار قانوني للمواطن بالتوازي مع فرض قواعد أكثر انضباطًا على البناء مستقبلًا.

ومن ثم، فإن إعادة النظر في بعض الإجراءات لا تعني التراجع عن فكرة تطبيق القانون. بل يمكن أن تكون خطوة لتقوية المنظومة نفسها، عبر إزالة العقبات التي تدفع المواطنين إلى التأخير. وتحويل التصالح من ملف مثقل بالتعقيدات إلى مسار واضح وميسر يحقق مصلحة الدولة والمواطن في آن واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);