1.3 مليون طفل عامل.. حادث الإسماعيلية يعيد فتح ملف عمالة الأطفال

أعاد حادث طريق الدواويس بمحافظة الإسماعيلية ملف عمالة الأطفال إلى الواجهة، بعدما كشفت التحقيقات أن تصادم شاحنتين كانتا تنقلان عمالًا زراعيين أسفر عن وفاة 18 شخصًا وإصابة 30 آخرين، من بينهم أطفال لم تتجاوز أعمار بعضهم 9 سنوات.
وبحسب بيان النيابة العامة، وقع الحادث بعد انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين، الأمر الذي تسبب في انحرافها إلى الاتجاه المقابل واصطدامها بالمركبة الأخرى، في واقعة أعادت تسليط الضوء على ظروف عمل بعض الأطفال، لا سيما في القطاع الزراعي، ومدى الالتزام بالتشريعات التي تمنع تشغيلهم في الأعمال التي تعرض حياتهم أو صحتهم للخطر.
بسملة.. طفلة في العاشرة تثير الجدل
وأثارت واقعة الطفلة بسملة، البالغة من العمر 10 سنوات، والتي كانت ضمن ضحايا حادث الإسماعيلية، تفاعلًا واسعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وتباينت ردود الفعل بين انتقادات لوجود طفلة في هذا العمر ضمن سوق العمل، وتعاطف مع أسرتها والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي قد تدفع بعض الأسر إلى تشغيل أبنائها في سن مبكرة.
وأعادت قصة بسملة طرح تساؤل أوسع حول كيفية حماية الأطفال من العمل المبكر، مع عدم تجاهل الظروف المعيشية التي تدفع بعض الأسر إلى الاعتماد على دخل أبنائها.
1.3 مليون طفل عامل في مصر
وتشير أحدث البيانات المتاحة حول عمالة الأطفال إلى وجود نحو 1.3 مليون طفل عامل في مصر عام 2021، من بينهم نحو 900 ألف يعملون في بيئات خطرة.
وفي سياق متصل، تقدر منظمة اليونيسف، وفق تقرير صادر عام 2025، عدد الأطفال الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد في مصر بنحو 6.6 مليون طفل، بما يعكس حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه قطاعًا واسعًا من الأسر.
وتوضح بيانات منظمة العمل الدولية أن العمل غير الرسمي يمثل نحو 67% من إجمالي الوظائف في مصر، ويشمل تقريبًا القطاع الزراعي بأكمله، في حين تشير تقديرات رسمية إلى أن نحو 63% من الأطفال العاملين يعملون في قطاع الزراعة، الذي يعد من أكثر المجالات صعوبة من ناحية الرقابة على ظروف العمل.
خبير قانوني: المشكلة في التطبيق وليس التشريع
وقال علي محمود الشطور الخبير القانوني، إن مواجهة عمالة الأطفال لا يمكن أن تقوم على التشريعات وحدها، وإنما تتطلب منظومة متكاملة تتعامل مع الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الأسر إلى تشغيل أبنائها.
وأوضح “الشطور” أن قانون العمل الجديد الذي أُقر عام 2025 وضع ضوابط لتنظيم تشغيل الأطفال، من بينها منع تشغيل الطفل قبل بلوغه 15 عامًا، مع السماح بالتدريب بدءًا من سن 14 عامًا، بالإضافة إلى حظر تشغيل الأطفال في الأعمال التي تشكل خطرًا على صحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم.
وأشار “الشطور” إلى أن القانون وضع أيضًا مجموعة من الضوابط لحماية الأطفال العاملين، من بينها ألا تتجاوز ساعات العمل 6 ساعات يوميًا، مع حصولهم على فترات للراحة، وحظر تشغيلهم لساعات إضافية أو خلال أيام الراحة.
وأكد “الشطور” أن التحدي الرئيسي لا يتمثل في غياب التشريعات، وإنما في مدى تطبيقها على أرض الواقع، موضحًا أن إصدار القوانين وحده لا يكفي للقضاء على المخالفات أو منع استغلال الأطفال.
قانون الطفل والدعم الاجتماعي للأسر
وفي السياق ذاته، أوضح “الشطور” أن قانون الطفل يتضمن آليات لحماية الأطفال من المخاطر المرتبطة بسوق العمل، من بينها تشكيل لجان فرعية على مستوى مراكز الشرطة للتعامل مع الحالات التي يتعرض فيها الأطفال للخطر، إلى جانب توفير أشكال من الدعم الاجتماعي والمادي للأسر التي فقدت عائلها.
وشدد “الشطور” على أن مواجهة عمالة الأطفال مسؤولية مشتركة لا تقع على جهة واحدة، وإنما تحتاج إلى تعاون حكومي ومجتمعي، خاصة من جانب وزارة التضامن الاجتماعي لتوفير مظلة حماية للأسر الأكثر احتياجًا، بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص.
التعليم ومراكز الشباب في مواجهة الظاهرة
ودعا “الشطور” إلى تعزيز دور وزارة التربية والتعليم في الحد من ظاهرة التسرب من التعليم، والعمل على توفير بيئة مدرسية أكثر جذبًا للأطفال، بما يساعد على استمرارهم داخل المنظومة التعليمية.
كما أكد “الشطور” أهمية تفعيل دور مراكز الشباب في استقطاب الأطفال وتوفير أنشطة رياضية وثقافية واجتماعية لهم، باعتبارها إحدى الوسائل التي يمكن أن تساعد في إبعادهم عن سوق العمل في سن مبكرة.
ويبقى حادث الإسماعيلية، بما خلفه من ضحايا بينهم أطفال، جرس إنذار جديدًا بشأن واقع عمالة الأطفال، ويعيد طرح ضرورة الربط بين تطبيق القانون، ومكافحة الفقر، وحماية حق الطفل في التعليم، وتوفير الدعم للأسر الأكثر احتياجًا، حتى لا تتحول الظروف الاقتصادية الصعبة إلى بوابة تدفع الأطفال نحو أعمال قد تهدد حياتهم وسلامتهم.






