أردوغان يفتح الباب أمام مصر.. هل تنضم القاهرة إلى التحالف الدفاعي الجديد بين تركيا والسعودية وباكستان؟

فتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الباب أمام احتمال انضمام مصر إلى اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته تركيا والسعودية وباكستان في مكة، في خطوة قد تحمل تداعيات كبيرة على شكل التعاون الأمني في المنطقة، خصوصا أن الاتفاق الجديد يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي، بينما لم تحسم القاهرة حتى الآن موقفها النهائي من الانضمام.
وجاء تصريح أردوغان خلال مقابلة مع قناة الجزيرة، إذ قال إن انضمام مصر إلى الاتفاق “ممكن”، موضحا أن اتفاق مكة للدفاع المشترك مفتوح أمام انضمام دول أخرى، في إشارة مباشرة إلى رغبة أنقرة في توسيع نطاق الترتيب الأمني الجديد.
ماذا قال أردوغان عن انضمام مصر؟
يأتي تصريح الرئيس التركي بعد أيام قليلة من توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس الجاري، وهو الاتفاق الذي ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعتبر هجوما عليها جميعا، بما يضع أساسا لتعاون دفاعي جماعي بين الدول الموقعة.
ولم يكتف أردوغان بالحديث عن إمكانية انضمام القاهرة، بل أكد أن الاتفاق ليس مغلقا أمام الدول الأخرى، وهو ما يعكس توجها تركيا لتوسيع الترتيب الأمني الجديد بدلا من بقائه في صورته الثلاثية الحالية.
وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد قال في وقت سابق إن مصر من الدول المرشحة للانضمام إلى الاتفاق، بالتزامن مع تأكيد أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو دولة بعينها.
وماذا قالت مصر عن الاتفاق؟
في القاهرة، لم يصدر إعلان رسمي بالموافقة على الانضمام، لكن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أكد أن الاتفاق يخضع للدراسة من جانب الجهات المصرية المختصة.
وأوضح عبد العاطي أن أي تعاون دفاعي يترتب عليه التزامات يحتاج إلى دراسة متأنية في ضوء الدستور المصري والالتزامات القانونية، وهو ما يعني أن الملف لا يزال في مرحلة الفحص وليس أمام قرار نهائي معلن بالانضمام.
وهنا تظهر نقطة مهمة، فتصريح أردوغان لا يعني أن مصر وافقت على الاتفاق، كما أن الحديث عن انضمام القاهرة لا يساوي إعلان عضويتها، وإنما يعكس وجود طرح تركي ورغبة في توسيع الاتفاق لتشمل دولا أخرى.
ماذا يتضمن اتفاق مكة للدفاع المشترك؟
وقع الاتفاق في مدينة مكة يوم 7 أغسطس بين السعودية وتركيا وباكستان، ويقوم على مبدأ أساسي مفاده أن الهجوم المسلح على دولة من الدول الثلاث يعتبر هجوما على الدول الأخرى.
ووصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان آلية الاتفاق بأنها تشبه من الناحية الفنية مبدأ المادة الخامسة لحلف شمال الأطلسي، التي تقوم على الدفاع الجماعي، إلا أن ذلك لا يعني أن الاتفاق الجديد أصبح نسخة من حلف الناتو أو يمتلك هيكله العسكري نفسه.
وبحسب التفاصيل التي كشفتها تركيا لاحقا، يتضمن الاتفاق إنشاء آليات سياسية وعسكرية للتنسيق بين وزراء الدفاع والخارجية ورؤساء أركان القوات المسلحة، إلى جانب تنظيم تدريبات عسكرية مشتركة في البر والبحر والجو، والتعاون في مجالات الدفاع الجوي والطائرات المسيرة والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
كما يستهدف الاتفاق تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية، ليس فقط من خلال شراء المعدات، وإنما أيضا عبر التطوير والإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وتوفير خدمات الصيانة والدعم اللوجستي.
لماذا تريد تركيا توسيع الاتفاق؟
بالنسبة لأنقرة، لا يبدو الاتفاق مجرد ترتيب عسكري محدود بين ثلاث دول، وإنما جزء من محاولة لبناء تعاون أمني إقليمي أوسع.
تركيا تمتلك جيشا كبيرا وخبرة واسعة في الصناعات الدفاعية، خصوصا في مجال الطائرات المسيرة والأنظمة العسكرية، بينما تمتلك السعودية قدرات مالية ونفوذا إقليميا كبيرا، وتملك باكستان قوة عسكرية كبيرة إلى جانب كونها دولة نووية.
وبالتالي، فإن جمع هذه القدرات داخل إطار دفاعي واحد يمنح الاتفاق ثقلا سياسيا وعسكريا أكبر، وهو ما يفسر رغبة أنقرة في توسيعه ليضم دولا أخرى، وعلى رأسها مصر.
ماذا يمكن أن تضيف مصر إلى الاتفاق؟
في حالة انضمام القاهرة، فإن شكل الاتفاق سيتغير بصورة واضحة، لأن مصر تمتلك موقعا استراتيجيا يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، كما أن لديها واحدا من أكبر الجيوش في المنطقة، فضلا عن خبرة طويلة في الملفات الأمنية والعسكرية العربية والإفريقية.
وجود مصر إلى جانب تركيا والسعودية وباكستان كان سيعني أن الاتفاق يمتد جغرافيا من شرق المتوسط والبحر الأحمر إلى الخليج وجنوب آسيا، وهو ما سيمنحه وزنا إقليميا أكبر بكثير من صورته الحالية.
ولهذا السبب تحديدا أصبح موقف القاهرة محور اهتمام في التحليلات الدولية منذ الإعلان عن الاتفاق.
هل مصر ستنضم فعلا؟
حتى الآن لا توجد إجابة نهائية من القاهرة.
الموقف المصري المعلن هو أن الأمر يخضع للدراسة القانونية والدستورية، وهو موقف يكشف أن القاهرة تنظر إلى المسألة باعتبارها التزاما دفاعيا يحتاج إلى حسابات دقيقة قبل اتخاذ قرار.
وفي المقابل، هناك تقارير صحفية تحدثت عن وجود تحفظات سعودية على انضمام مصر إلى الاتفاق، مستندة إلى مصادر سعودية لم تكشف أسماءها، وهي معلومات لم تعلنها الرياض رسميا، ولذلك يجب التعامل معها باعتبارها تقارير غير مؤكدة وليست موقفا سعوديا رسميا.
وهذا يضع القاهرة أمام معادلة دقيقة، فمن ناحية توجد دعوة تركية علنية لانضمام مصر، ومن ناحية أخرى هناك اعتبارات قانونية ودستورية مصرية، فضلا عن حسابات العلاقات الإقليمية والالتزامات التي يمكن أن تترتب على أي اتفاق دفاع جماعي.
هل الاتفاق موجه ضد إيران؟
الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق نفت أن يكون الهدف المعلن منه استهداف دولة بعينها.
وقال وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إن الاتفاق دفاعي بطبيعته وليس موجها ضد دولة محددة، كما أكدت تركيا أن الاتفاق لا يستهدف إيران.
وفي المقابل، جاء الاتفاق في توقيت شديد الحساسية بالنسبة للمنطقة، مع تصاعد التوترات والهجمات المرتبطة بإيران والحوثيين وأمن الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما جعل الاتفاق يُقرأ دوليا باعتباره جزءا من إعادة ترتيب منظومة الأمن الإقليمي.
حتى إيران نفسها قالت إنها لا ترى سببا للخوف من الاتفاق، معتبرة أن التعاون الأمني الإقليمي يمكن أن يكون مفيدا إذا كان شاملا وقائما على واقع المنطقة.
لماذا يأتي الاتفاق في هذا التوقيت؟
التحرك الجديد لا يمكن فصله عن حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، والقلق المتزايد لدى دول الخليج بشأن أمنها، خاصة بعد الهجمات التي طالت مصالح ومنشآت مرتبطة بالطاقة والملاحة.
وتشير رويترز إلى أن السعودية اتجهت خلال الفترة الأخيرة إلى تعزيز ترتيباتها الدفاعية الإقليمية، بالتزامن مع محاولتها التعامل مع المخاطر الأمنية المتزايدة وعدم الاعتماد على مظلة أمنية واحدة.
كما يتزامن الاتفاق مع جهود لإنشاء ترتيبات دولية لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وهو ملف تملك مصر مصلحة مباشرة فيه بحكم موقع قناة السويس وأهمية البحر الأحمر بالنسبة لحركة التجارة العالمية.
ماذا يعني انضمام مصر إذا حدث؟
إذا وافقت القاهرة في النهاية على الانضمام، فإن الاتفاق سيتحول من إطار ثلاثي إلى ترتيبات أوسع تضم أربع دول ذات ثقل عسكري وسياسي واقتصادي متفاوت، وهو ما قد يرفع مستوى التنسيق في ملفات الدفاع الجوي والأمن البحري والصناعات العسكرية والتدريبات المشتركة.
كما أن مشاركة مصر يمكن أن تمنح الاتفاق بعدا جغرافيا أكبر، خصوصا في البحر الأحمر وشرق المتوسط، وتضيف إلى الترتيب الجديد قوة عسكرية عربية رئيسية.
لكن في المقابل، فإن العضوية في أي اتفاق دفاع جماعي تعني التزامات متبادلة، ولذلك فإن القاهرة تحتاج إلى معرفة التفاصيل الدقيقة لما ستلتزم به في حالة تعرض دولة أخرى لهجوم، وهو ما يفسر حديث وزير الخارجية المصري عن دراسة الجوانب الدستورية والقانونية قبل اتخاذ القرار.
مصر أمام اختبار دقيق
القصة إذن ليست مجرد دعوة من أردوغان لمصر للانضمام إلى تحالف جديد، وإنما ملف أوسع يتعلق بشكل الأمن الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
كما تريد تركيا توسيع الاتفاق، والسعودية وباكستان تسعيان إلى تعزيز التعاون الدفاعي، ومصر تدرس المسألة من زاوية التزاماتها القانونية والدستورية، بينما تراقب القوى الإقليمية والدولية التحول الجديد في خريطة التحالفات بالمنطقة.
وفي الوقت نفسه، فإن وجود تقارير متضاربة بشأن موقف الرياض من انضمام القاهرة يؤكد أن الصورة لم تكتمل بعد، ولذلك فإن أي حديث عن انضمام مصر باعتباره أمرا محسوما سيكون سابقا لأوانه.






