مصر في مرمى المستثمرين الأجانب.. 26 ألف شركة جديدة وتحذير بريطاني من منافسة الدولة للقطاع الخاص

في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة المصرية إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وتوسيع قاعدة القطاع الخاص، تكشف مؤشرات حديثة عن تحركات متسارعة في السوق المحلية، كان أحدثها تأسيس نحو 26.5 ألف شركة خلال النصف الأول من عام 2026، برؤوس أموال مصدرة بلغت 97.5 مليار جنيه، بالتزامن مع استمرار اهتمام مؤسسات استثمارية دولية بالسوق المصرية.
لكن الصورة التي يراها المستثمر الأجنبي لا تتوقف عند حجم السوق أو الحوافز الاستثمارية، إذ يضع المستثمرون أيضا مجموعة من الشروط المرتبطة بطبيعة المنافسة وبيئة الأعمال، وهو ما ظهر بوضوح في تصريحات ليزلي مآسْدورب، الرئيس التنفيذي لمؤسسة British International Investment البريطانية، خلال زيارته الأخيرة إلى القاهرة.
كما أشار مآسْدورب إلى أن مصر تمثل أكبر انكشاف استثماري للمؤسسة في أفريقيا، مؤكدا استمرار اهتمامها بالسوق المصرية، لكنه في الوقت نفسه دعا إلى تحقيق تكافؤ أكبر في المنافسة بين الشركات الحكومية وشركات القطاع الخاص، وهي نقطة تتقاطع مع أحد المحاور الرئيسية التي يركز عليها برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري.
26.5 ألف شركة جديدة في 6 أشهر
وبالتزامن مع هذه الرسائل القادمة من المستثمرين الدوليين، أعلنت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية أن عدد الشركات التي تأسست في مصر خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026 ارتفع إلى نحو 26.5 ألف شركة، مقابل نحو 22.1 ألف شركة خلال الفترة المقابلة من العام الماضي، بنسبة نمو تقارب 20%.
وبلغ إجمالي رؤوس الأموال المصدرة للشركات الجديدة نحو 97.5 مليار جنيه، في مؤشر على استمرار حركة تأسيس المشروعات الجديدة، فيما سجلت محافظات الوجه البحري معدلات نمو مرتفعة في تأسيس الشركات خلال الفترة نفسها.
وقال الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، إن ارتفاع معدلات تأسيس الشركات يمثل مؤشرا إيجابيا على زيادة رغبة المستثمرين والمواطنين في إقامة مشروعات جديدة، مؤكدا أن الوزارة تعمل على تسريع الإجراءات وتحسين الخدمات المقدمة للمستثمرين.
ماذا يريد المستثمر الأجنبي من مصر؟
رغم ارتفاع أعداد الشركات الجديدة، فإن تصريحات المسؤول البريطاني تطرح سؤالا آخر يتعلق بقدرة الاقتصاد المصري على تحويل هذه الزيادة إلى استثمارات طويلة الأجل.
فمؤسسة British International Investment، وهي مؤسسة تمويل تنموي تابعة للحكومة البريطانية وتركز على الاستثمار في القطاع الخاص بالأسواق النامية، ترى أن السوق المصرية تتمتع بأهمية استراتيجية، لكنها في المقابل تعتبر تحسين المنافسة بين القطاعين العام والخاص عاملا أساسيا لدعم الاستثمار.
وهذه النقطة لا تخص المستثمر البريطاني وحده، إذ تتقاطع مع رؤية صندوق النقد الدولي بشأن الإصلاحات الاقتصادية في مصر، خاصة ما يتعلق بتقليص حضور الدولة في النشاط الاقتصادي وفتح مساحة أكبر أمام القطاع الخاص.
1.8 مليار دولار من صندوق النقد
وفي يوليو الماضي، استكمل المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي مراجعتين لبرنامج مصر، ما أتاح للقاهرة الحصول على تمويلات جديدة بقيمة تقارب 1.8 مليار دولار.
وتتوزع التمويلات بين نحو 1.5 مليار دولار ضمن برنامج تسهيل الصندوق الممدد، ونحو 272 مليون دولار ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة.
وأشار صندوق النقد إلى أن الاقتصاد المصري أظهر قدرة أكبر على التعامل مع التداعيات الخارجية مقارنة بفترات سابقة، لكنه في الوقت نفسه شدد على أهمية استمرار الإصلاحات، ومن بينها تقليص دور الدولة وإفساح المجال أمام استثمارات القطاع الخاص.
الحكومة تتحرك لتسهيل الاستثمار
وفي إطار محاولات تحسين بيئة الأعمال، افتتحت الحكومة مركز خدمات المستثمرين بالمنطقة الاستثمارية في بنها، ليصل عدد مراكز خدمات المستثمرين على مستوى الجمهورية إلى 15 مركزا.
ويستهدف المركز الجديد خدمة أكثر من 28 ألف شركة في محافظات القليوبية والغربية والمنوفية، بما يتيح للمستثمرين الحصول على الخدمات الحكومية بالقرب من مواقع مشروعاتهم.
كما أطلقت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية والهيئة العامة للاستثمار منصة لرعاية المستثمرين وتلقي الشكاوى والمقترحات، بهدف توفير مسار موحد أمام المستثمر لتسجيل شكواه ومتابعتها ومعرفة الإجراءات التي اتخذت بشأنها.
هل تكفي زيادة تأسيس الشركات؟
تمنح الأرقام الجديدة السوق المصرية مؤشرا إيجابيا، لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بعدد الشركات التي يتم تأسيسها، وإنما بقدرتها على الاستمرار والتوسع والإنتاج والتصدير وتوفير فرص العمل.
ومن هنا تكتسب تصريحات المسؤول البريطاني أهميتها، فزيادة الاستثمارات الأجنبية تحتاج إلى أكثر من فرص استثمارية وحوافز، وتحتاج أيضا إلى بيئة يشعر فيها المستثمر بأن قواعد المنافسة واضحة ومستقرة، وأن القطاع الخاص قادر على العمل والتوسع دون منافسة غير متكافئة.
وفي المقابل، فإن ارتفاع عدد الشركات الجديدة إلى 26.5 ألف شركة خلال ستة أشهر، بالتزامن مع استمرار اهتمام المؤسسات الاستثمارية الدولية بالسوق المصرية، يعكس وجود فرص حقيقية أمام الاقتصاد المصري، خصوصا في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية والخدمات المالية.
رسالة المستثمرين.. الفرصة موجودة والشروط واضحة
وبينما تتحرك الحكومة لتسهيل تأسيس الشركات وتوسيع الخدمات المقدمة للمستثمرين، وتواصل تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، تبدو الرسالة التي تحملها تصريحات المستثمرين الدوليين واضحة، السوق المصرية لديها مقومات جذب قوية، لكن الحفاظ على تدفقات الاستثمار وزيادتها يرتبط بقدرة الدولة على تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحويل الإصلاحات الاقتصادية إلى فرص استثمارية فعلية.






