مقالات

علاء عبدالله يكتب: بين قدسية النص وحرية العقل.. هل تكون العودة إلى القرآن طريقًا لاستعادة جوهر الإسلام؟

يفتح مقال الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي الذي حمل عنوان “العهد المقدس بين الله والمسلم” مساحة واسعة للتأمل في العلاقة بين الإنسان ودينه، وينطلق من فكرة أساسية مفادها أن الإيمان الحقيقي لا يقوم على الإكراه، وإنما على الاختيار الواعي وتحمل مسؤولية هذا الاختيار، ومن هذه الزاوية، يطرح الكاتب رؤيته للعهد الذي يربط المسلم بالله، باعتباره عهدًا يقوم على الالتزام بالقيم والمبادئ التي جاء بها الإسلام، وفي مقدمتها الرحمة والعدل والسلام وحفظ كرامة الإنسان.

وأبرز ما يلفت الانتباه في المقال هو التأكيد على أن دخول الإنسان في الإسلام لا ينبغي أن يكون قائمًا على الإجبار، وإنما على الاقتناع والاختيار. فالإنسان، وفق هذه الرؤية، عندما يختار عقيدته فإنه يصبح مسؤولًا عن فهمها والالتزام بمبادئها، وليس مجرد ترديد شعارات أو اتباع ممارسات دون إدراك مقاصدها، وهنا ينتقل المقال من مفهوم الإيمان باعتباره اعتقادًا داخليًا إلى اعتباره مسؤولية أخلاقية وسلوكية، إذ إن الالتزام بالدين لا ينفصل عن طريقة تعامل الإنسان مع الآخرين، ولا عن موقفه من العدل والرحمة والتسامح والسلام.

ويضع المقال مجموعة من القيم في صدارة الرسالة التي ينسبها إلى الإسلام، ومنها إقامة العدل، ونشر السلام، والتعاون على البر والتقوى، والابتعاد عن الإثم والعدوان. وهذه الرؤية تعيد توجيه النقاش من التركيز على الخلافات إلى البحث عن المبادئ التي يمكن أن تجمع الناس، وفي هذا السياق، تبدو القضية المطروحة أكبر من مجرد قراءة دينية؛ فهي تمس سؤالًا إنسانيًا يتعلق بكيفية تحويل القيم الدينية إلى سلوك يومي قادر على حماية الإنسان وحقوقه وحريته، والمساهمة في تحقيق الاستقرار داخل المجتمع.

ومن المحاور الرئيسية في المقال الدعوة إلى العودة إلى القرآن باعتباره المرجعية الأساسية لفهم الدين، مع التأكيد على ضرورة أن يكون التعامل مع آياته قائمًا على الفهم والتدبر، لا على التعقيد أو الغموض أو فرض قراءات بشرية باعتبارها حقائق مطلقة، ويستند المقال في طرحه إلى الآية الكريمة: “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ”، ليؤكد أن القرآن، وفق الرؤية التي يقدمها الكاتب، ليس نصًا مغلقًا أمام الإنسان، وإنما كتاب يدعو إلى التدبر والفهم.

وهنا تظهر إحدى أكثر القضايا حساسية في المقال، وهي العلاقة بين النص الديني وبين التفسيرات البشرية التي تراكمت حوله عبر الزمن، فالكاتب يميز بوضوح بين القرآن بوصفه نصًا مقدسًا، وبين ما يقدمه البشر من اجتهادات وقراءات قد تختلف من شخص إلى آخر.

يناقش المقال كذلك خطورة أن تتحول بعض التفسيرات أو الروايات إلى سلطة تفرض نفسها على عقول الناس، بما قد يؤدي إلى إبعادهم عن النص القرآني وإدخالهم في دوائر من الخلاف والانقسام، وتكمن أهمية هذه النقطة في أنها تفتح نقاشًا حول حدود الاجتهاد البشري، وكيف يمكن للإنسان أن يقرأ النص الديني دون أن يصبح أسيرًا لتفسير واحد أو رؤية واحدة، وهي إشكالية قديمة ومتجددة، خصوصًا عندما تتحول الاختلافات الفكرية إلى وسيلة لإقصاء الآخر أو احتكار الحقيقة.

اللافت أن المقال لا يتوقف عند قضية تفسير النص، وإنما يربطها بصورة الإنسان ومكانته، فالقيم التي يطرحها، مثل الرحمة والعدل والمساواة والسلام والتسامح، تصب في النهاية في اتجاه واحد، وهو حماية الإنسان وتكريم حياته وحقوقه وحريته، ومن هنا يصبح الدين، في الرؤية التي يقدمها المقال، وسيلة لإصلاح حياة الإنسان والارتقاء بأخلاقه وسلوكه، وليس سببًا للصراع أو التمييز، كما أن معيار التفاضل بين الناس لا يرتبط بمجرد الانتماء، وإنما بما يقدمه الإنسان من عمل صالح والتزام أخلاقي.

ويمكن قراءة المقال باعتباره دعوة إلى إعادة النظر في الطريقة التي يُفهم بها الدين، والانتقال من الصراع حول الأشخاص والتفسيرات إلى البحث عن القيم الأساسية التي يمكن أن تحقق التعايش والاستقرار، كما أنه يطرح سؤالًا مهمًا: هل يستطيع الخطاب الديني المعاصر أن يستعيد قدرته على بناء الإنسان بدلًا من الدخول في دوائر الجدل والانقسام؟ وهو سؤال تزداد أهميته في ظل الحاجة إلى خطاب يواجه التطرف والكراهية، ويؤكد أن الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى خصومة.

في النهاية، يضع المقال القارئ أمام مفهوم محوري: العهد بين الإنسان وربه ليس مجرد انتماء ديني، وإنما مسؤولية تترجم إلى سلوك. فإذا كان المسلم قد اختار الإسلام عن اقتناع، فإن هذا الاختيار يفترض أن ينعكس على تعامله مع الناس، وعلى احترامه للعدل والرحمة والحرية، وعلى رفضه للعنف والعدوان.

وهنا تكمن القيمة الأبرز في الطرح؛ إذ يحاول إعادة تعريف العلاقة بين الدين والإنسان من خلال التركيز على جوهر الرسالة الأخلاقية، بدلًا من اختزالها في الخلافات أو الصراعات الفكرية.

ويبقى التحدي الحقيقي ليس في الحديث عن العودة إلى القرآن فحسب، وإنما في كيفية تحويل ما يقرأ في القرآن إلى قيم حية وسلوك يومي؛ فحين يصبح العدل ممارسة، والرحمة أسلوبًا، والتسامح ثقافة، واحترام الإنسان قاعدة، عندها فقط يمكن أن تتحول الرسالة الدينية من نص يُقرأ إلى أثر يُرى في حياة الناس والمجتمعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);