علاء عبدالله يكتب: معركة استعادة صورة الإسلام.. حين يصبح تصحيح الفكر خط الدفاع الأول عن السلام

يفتح هذا العرض التوضيحي ملفًا بالغ الحساسية لا يتعلق فقط بالسؤال التقليدي حول علاقة الإسلام بالعنف، وإنما يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: من يملك حق تعريف الدين وتحديد مقاصده؟ فبينما تحاول جماعات متطرفة تقديم الإسلام باعتباره مشروعًا للصدام والإقصاء، تطرح رؤية أخرى الإسلام باعتباره رسالة تقوم على الرحمة والسلام والتعاون واحترام الإنسان، وهنا تصبح المعركة الحقيقية معركة وعي وفهم قبل أن تكون معركة سلاح أو حدود.
وينطلق العرض من الرؤية الفكرية التي يقدمها المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية، والتي تقوم على ضرورة العودة إلى القرآن وفهم مقاصده باعتباره مصدرًا للقيم التي تدعو إلى السلام والتسامح والعدل، مع رفض القراءات التي توظف النصوص الدينية لتبرير العنف أو فرض الوصاية على الناس.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه ينقل مواجهة التطرف من دائرة المواجهة الأمنية وحدها إلى مساحة أكثر عمقًا، وهي مساحة الأفكار التي تشكل وعي الإنسان وتحدد نظرته إلى نفسه وإلى المختلف عنه، فالجماعات المتطرفة لا تسعى فقط إلى السيطرة على الأرض أو مواجهة مؤسسات الدولة، وإنما تحاول كذلك فرض رواية خاصة بها عن الدين، وتحويله من رسالة أخلاقية وإنسانية إلى أداة للإقصاء والصراع.
ويقدم العرض تجربة إندونيسيا باعتبارها نموذجًا مهمًا في فهم تطور الظاهرة المتطرفة، مشيرًا إلى الصدام الذي ظهر تاريخيًا بين مشروع الدولة المدنية التعددية وبين جماعات سعت إلى فرض رؤيتها بالقوة، ومع مرور الوقت، انتقلت بعض مظاهر التطرف من نطاق محلي إلى شبكات أكثر اتساعًا، خصوصًا مع التحولات التي شهدتها المنطقة خلال عقود لاحقة، وصولًا إلى ظهور تنظيمات عابرة للحدود.
وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية، وهي أن استهداف دور العبادة والمنشآت والأبرياء لا يمكن فهمه فقط باعتباره عملًا عنيفًا لتحقيق أهداف سياسية، وإنما يمكن النظر إليه أيضًا باعتباره محاولة لضرب فكرة التعايش نفسها، فالمجتمع الذي يقبل التنوع ويحترم الاختلاف يصبح بطبيعته بيئة صعبة أمام الفكر التكفيري الذي يقوم على الإقصاء وتقسيم الناس إلى جماعات متصارعة.
ومن هذه الزاوية، فإن مواجهة التطرف لا تكتمل بالمواجهة الأمنية وحدها، مهما كانت أهميتها، لأن الفكر الذي أنتج العنف يمكن أن يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة إذا لم تتم معالجة جذوره الفكرية، ولذلك يركز الطرح الوارد في العرض على أهمية بناء خطاب ديني وفكري قادر على تفكيك الأفكار المتطرفة، وحرمانها من الغطاء الذي تحاول الحصول عليه من خلال توظيف النصوص الدينية بصورة انتقائية.
كما يتوقف العرض عند فكرة مهمة تتعلق بوحدة الرسالات السماوية واحترام العقائد، ويرى أن الفهم الصحيح للقرآن يمكن أن يقدم أرضية للتقارب بين أتباع الأديان بدلًا من تحويل الاختلاف الديني إلى وقود للصراع، وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في المجتمعات المتنوعة، حيث يصبح احترام الآخر والتعايش معه عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على الاستقرار.
ويشير العرض كذلك إلى اختلاف أساليب الدول في التعامل مع التطرف؛ فهناك من اعتمد بصورة أكبر على المواجهة الأمنية، بينما اتجهت تجارب أخرى إلى الاستثمار في نشر ثقافة التسامح ومواجهة خطاب الكراهية، في حين ركزت إندونيسيا على برامج تستهدف إعادة تأهيل المتطرفين فكريًا، والرسالة التي يحاول العرض تأكيدها هنا أن الأمن والفكر ليسا مسارين متعارضين، وإنما يحتاج كل منهما إلى الآخر.
ومن أكثر النقاط التي تستوقف القارئ ما يورده العرض عن تجربة الحوار الفكري داخل السجون في إندونيسيا، والتي يشير إلى نجاحها في تغيير أفكار عدد كبير من المتطرفين بعد سنوات من النقاش والحوار، وبغض النظر عن تقييم التفاصيل والأرقام الواردة في العرض، فإن الفكرة الأساسية تظل لافتة، وهي أن مواجهة التطرف لا ينبغي أن تتوقف عند عزل الشخص المتطرف عن المجتمع، وإنما يجب أن تمتد إلى محاولة فهم الأفكار التي دفعته إلى تبني هذا المسار والعمل على تصحيحها.
وهنا تتضح قيمة الحوار بوصفه أداة لمواجهة التطرف، ليس باعتباره بديلًا عن القانون أو الإجراءات الأمنية وإنما باعتباره مسارًا مكملًا لها، فالفكرة لا تواجه بالقوة وحدها، وإنما تحتاج كذلك إلى فكرة أكثر قدرة على الإقناع، وإلى خطاب يستطيع الوصول إلى العقل قبل أن يصل التطرف إلى مرحلة يصعب معها التراجع.
وتحمل الرسالة التي يطرحها العرض في نهايته بُعدًا يتجاوز مؤسسة بعينها إذ يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتعلق بكيفية التعامل مع ظاهرة التطرف مستقبلًا، فترك الفراغ الفكري دون معالجة قد يسمح بظهور موجات جديدة من الأفكار المتشددة، بينما يمكن للاستثمار في التعليم والحوار والتوعية الدينية والثقافية أن يسهم في بناء مجتمعات أكثر قدرة على مقاومة خطاب الكراهية.
وفي النهاية، فإن القضية التي يطرحها العرض ليست فقط: هل الإسلام دين عنف أم سلام؟ وإنما السؤال الأكثر أهمية هو: كيف نضمن ألا تختطف الجماعات المتطرفة صورة الدين من جديد؟ والإجابة، وفق الرؤية التي يقدمها، تبدأ باستعادة مركزية الإنسان والقيم الأخلاقية، والعودة إلى فهم النص الديني بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الأيديولوجي، وإعلاء قيم الرحمة والعدل والسلام.
فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يحمل المتطرف سلاحًا، وإنما يبدأ في اللحظة التي تتسلل فيها فكرة الإقصاء إلى عقله وتتحول إلى قناعة تبرر رفض الآخر، ولذلك فإن حماية المجتمعات من التطرف تبدأ من حماية عقول أبنائها، وبناء وعي يجعل الاختلاف مساحة للتعارف لا ذريعة للصراع، ويعيد للدين صورته كرسالة تهدف إلى إصلاح حياة الإنسان لا تهديدها.
ومن هنا تبدو معركة الفكر طويلة، لكنها تظل واحدة من أهم المعارك التي يمكن خوضها من أجل المستقبل؛ لأن مواجهة التطرف لا تعني فقط القضاء على مظاهره، وإنما تعني أيضًا تجفيف منابعه الفكرية، وفتح الطريق أمام خطاب ديني وإنساني قادر على جمع الناس حول قيم السلام والرحمة والعدل.





