علاء عبدالله يكتب: من إندونيسيا.. رؤية قرآنية تعيد تعريف المسلم وتفتح طريقًا أوسع للسلام

يحمل اللقاء الذي استضافته مؤسسة دار الفتح لامبونج في إندونيسيا دلالة تتجاوز حدود فعالية تعليمية عابرة، بعدما تحول إلى مساحة للحوار حول واحدة من القضايا الفكرية المهمة: كيف نفهم القرآن الكريم، وكيف نترجم قيمه إلى سلوك يصنع إنسانًا أكثر رحمة وعدلًا وسلامًا؟
وتبرز أهمية هذا اللقاء في إشادة الأستاذ أبو عزام آرياسين، رئيس مؤسسة دار الفتح لامبونج، بالرؤية الفكرية للمفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، وما تطرحه من دعوة إلى العودة إلى الفهم الصحيح للقرآن الكريم، وإعادة النظر في مفهوم المسلم وفق القيم التي يؤكد عليها القرآن.
اللافت في مضمون اللقاء أن الحديث لم يتوقف عند الجانب المعرفي أو الأكاديمي، وإنما اتجه إلى سؤال أكثر ارتباطًا بالواقع: ما الذي ينبغي أن ينتجه الفهم الصحيح للقرآن في شخصية المسلم؟، وهنا تبرز أهمية التركيز على القيم القرآنية باعتبارها أساسًا لبناء الإنسان، فالرحمة والعدل والسلام والتعايش ليست مجرد عناوين نظرية، وإنما مبادئ يمكن أن تنعكس على علاقة الإنسان بنفسه وبمجتمعه وبالآخر المختلف عنه.
ومن هذه الزاوية، فإن الدعوة إلى فهم القرآن لا تعني فقط معرفة النص، وإنما فهم مقاصده والقيم التي يسعى إلى ترسيخها في حياة الإنسان، والمحاضرة التي قدمها الدكتور تامر الغزاوي، مدير مكتب مؤسسة رسالة السلام العالمية في إندونيسيا، داخل معهد فتيات دار الفتح لامبونج للقرآن الكريم، تكشف عن أهمية توجيه الخطاب الفكري إلى الأجيال الجديدة.
فالشباب والطلاب يمثلون الحلقة الأهم في أي مشروع يستهدف بناء وعي طويل المدى، لأن الأفكار التي تصل إلى الإنسان في مراحل تكوينه الفكري يمكن أن تؤثر في نظرته إلى الدين والمجتمع والآخر، ومن هنا تبدو المحاضرة محاولة لفتح مساحة أمام الطالبات للتعرف على رؤية مختلفة في فهم القرآن، تقوم على إبراز قيمه الإنسانية، بدلًا من اختزال الدين في مجموعة من المفاهيم المجردة.
ربما يكون عنوان “معنى المسلم الذي أراده الله” هو المحور الأكثر إثارة للتأمل في هذه التجربة، فالمفهوم لا يتعلق بالاسم أو الانتماء فقط، وإنما بما ينبغي أن يتركه الإسلام في سلوك الإنسان وأخلاقه، ووفق الرؤية التي يعرضها المقال، فإن المسلم الحقيقي هو الذي تنعكس القيم القرآنية على حياته؛ فيكون أكثر عدلًا ورحمة، وأكثر احترامًا للآخر، وأبعد عن الكراهية والعدوان, وهنا تتحول مسألة فهم الدين من قضية معرفية إلى مسؤولية أخلاقية لأن قيمة الفهم تظهر في أثره على السلوك.
وتعكس إشادة رئيس مؤسسة دار الفتح لامبونج بأفكار الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، وحرصه بعد المحاضرة على الاطلاع على عدد من رؤاه ومقالاته، اهتمامًا يتجاوز الاستماع إلى فعالية واحدة، والأهم أن المقال يشير إلى وجود قاسم مشترك في هذه الرؤى يتمثل في الدعوة إلى جعل القرآن مرجعية للهداية والإصلاح وبناء الإنسان والمجتمع.
وهذا الطرح يفتح الباب أمام حوار فكري حول العلاقة بين النص القرآني والواقع المعاصر، وكيف يمكن للقيم التي يحملها القرآن أن تكون عنصرًا في معالجة مشكلات الإنسان والمجتمع.
ومن أهم ما يمكن قراءته في هذه الفعالية أنها تقدم التعليم باعتباره أحد المسارات المهمة لنشر ثقافة السلام، فحين يتعرف الطالب على قيم الرحمة والعدل والتعايش فإن الأمر لا يبقى محصورًا داخل قاعة الدرس، وإنما يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى طريقة في التفكير والتعامل مع الآخرين، ومن هنا فإن الوصول إلى المدارس والمعاهد والجامعات يمثل خطوة مؤثرة في أي مشروع يسعى إلى بناء ثقافة تقوم على الحوار واحترام الإنسان ونبذ العنف.
ويضيف مشهد تلاوة الطالبات لآيات من القرآن الكريم عقب المحاضرة بعدًا آخر للقاء؛ إذ يجمع بين المعرفة والتدبر والتطبيق العملي ويؤكد أن العلاقة بالقرآن لا تنفصل عن فهم معانيه، كما أن التفاعل الإيجابي من الطالبات مع اللقاء والترحيب بمؤسسة رسالة السلام العالمية يعكس حالة من الاهتمام بهذا النوع من الأنشطة التي تربط التعليم بالقيم الإنسانية.
وما يلفت الانتباه في التجربة الإندونيسية أن الفكر لا يتحرك داخل نطاق جغرافي ضيق، وإنما ينتقل من خلال المحاضرات والمراكز التعليمية والمؤسسات الثقافية، ويأتي حضور الأستاذ محمود حنبلي، نائب مدير مركز الشرفاء الحمادي للدراسات القرآنية والعربية في لامبونج، ليؤكد استمرار النشاط العلمي والثقافي المرتبط بهذا المشروع الفكري.
وهنا تتضح أهمية بناء جسور التواصل بين المؤسسات التعليمية والثقافية في العالم الإسلامي، خصوصًا عندما يكون الهدف هو مناقشة قضايا تتعلق بفهم الدين وبناء الإنسان ونشر قيم السلام.
وتكشف هذه الواقعة في إندونيسيا عن أن النقاش حول الفهم الصحيح للقرآن ومعنى المسلم لم يعد محصورًا في نطاق فكري أو جغرافي محدد، وإنما أصبح موضوعًا قابلًا للحوار داخل المؤسسات التعليمية والثقافية المختلفة، وتبرز رؤية الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، كما يعرضها المقال، في محاولة إعادة التركيز على القرآن بوصفه مصدرًا للقيم والهداية والإصلاح، وعلى الإنسان باعتباره المسؤول عن تحويل هذه القيم إلى واقع.
وفي النهاية، فإن أهم ما يمكن استخلاصه من هذه التجربة أن بناء السلام لا يبدأ فقط من القرارات الكبرى، وإنما قد يبدأ من قاعة دراسية، ومحاضرة، وفكرة تصل إلى طالب أو طالبة، ثم تتحول إلى سلوك يؤمن بالرحمة والعدل والتعايش، ومن إندونيسيا، تبدو الرسالة واضحة: إن فهم القرآن لا يكتمل بحفظ نصوصه فقط، وإنما بالقدرة على استيعاب قيمه وتحويلها إلى حياة، وهو ما يجعل التعليم والثقافة أدوات أساسية في بناء إنسان أكثر وعيًا، ومجتمع أكثر سلامًا.






