مقالات

علاء عبدالله يكتب: حين يصبح جوهر الإسلام مشروعًا لصناعة السلام العالمي

يكشف فيديو المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي الذي يقدم جوهر الإسلام ودوره في صناعة السلام العالمي عن طرح يتجاوز القراءة التقليدية للدين، لينقل النقاش من حدود الشعارات والهُوية إلى مساحة أكثر عمقًا تتعلق بما يتركه الإسلام من أثر حقيقي في سلوك الإنسان وعلاقته بالآخر.

وتكمن أهمية هذه القراءة في أنها تضع مفهوم جوهر الإسلام أمام اختبار عملي: هل ينعكس الإيمان في صورة رحمة وعدل واحترام للإنسان ورفض للعدوان؟ أم يظل مجرد انتماء وشعائر منفصلة عن السلوك اليومي؟.

والفكرة الأساسية التي يبرزها المقال أن الإسلام لا ينبغي أن يقاس فقط بما يعلنه الإنسان عن نفسه، وإنما بما تنتجه القيم الإسلامية في حياته، فالرحمة والعدل والإحسان والتعايش ليست مفاهيم منفصلة عن جوهر الرسالة، وإنما قيم يمكن أن تتحول إلى معيار للحكم على مدى حضور المعنى الحقيقي للدين في واقع المجتمعات.

ومن هذه الزاوية، يبرز طرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي الذي يدعو إلى إعادة قراءة الخطاب الديني من خلال القرآن، والبحث عن القيم التي تؤسس لعلاقة أكثر إنسانية بين البشر، بعيدًا عن القراءات التي تبرر العنف أو الاعتداء.

وأحد أبرز أبعاد المقال أنه لا يحصر صناعة السلام في الاتفاقيات السياسية أو اللقاءات الدولية بل يربطها بتكوين الإنسان نفسه، فالحروب والصراعات لا تبدأ دائمًا في ميادين القتال وإنما قد تبدأ من أفكار تقوم على إلغاء الآخر، أو خطاب يحول الاختلاف إلى عداوة، أو ثقافة تجعل الكراهية وسيلة للتعامل مع المختلف.

ومن هنا يصبح نشر السلام عملية تبدأ بإصلاح الوعي ثم تنتقل إلى الأسرة والمجتمع وصولًا إلى العلاقات بين الشعوب والدول، وهذا التصور يمنح السلام بعدًا أوسع؛ فهو ليس مجرد غياب للحرب، بل حالة من الوعي تقوم على احترام الإنسان ورفض الظلم والاعتداء.

القرآن كمرجعية لتصحيح الخطاب

يقدم المقال كذلك محورًا مهمًا يتمثل في الدعوة إلى العودة للقرآن بوصفه مرجعية لفهم مقاصد الإسلام وقيمه الأساسية، وهنا تأتي أهمية مشروع الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي كما يعرضه المقال؛ إذ يركز على الرحمة والعدل والسلام، ويرفض تحميل الإسلام ممارسات أو أفكارًا تتناقض مع هذه القيم.

فالعودة إلى القرآن، وفق هذا الطرح، لا تعني الاكتفاء بالتلاوة، وإنما استعادة القيم التي يمكن أن تتحول إلى سلوك وممارسة في الحياة اليومية، وعندما يصبح العدل ممارسة، والرحمة منهجًا، واحترام الإنسان قاعدة، وعدم الاعتداء مبدأً، فإن الحديث عن السلام ينتقل من مستوى التنظير إلى مستوى التطبيق.

من الفكر إلى صناعة الوعي

اللافت أيضًا أن المقال لا يتعامل مع مؤسسة رسالة السلام العالمية باعتبارها مجرد جهة تقدم خطابًا فكريًا، وإنما يبرز سعيها إلى نشر هذا التصور من خلال الكتب والندوات والترجمات والتواصل مع المؤسسات الثقافية والجامعات. وهنا تظهر نقطة مهمة: الأفكار لا تستطيع تغيير الواقع بمجرد طرحها، وإنما تحتاج إلى أدوات قادرة على تحويلها إلى ثقافة عامة ووعي اجتماعي.

ومن هذه الزاوية، يصبح نشر مفهوم الإسلام القائم على الرحمة والعدل والسلام محاولة لإعادة تشكيل الصورة الذهنية عن الدين، وفتح مساحة للحوار بين الثقافات والحضارات على أساس إنساني مشترك.

ربما تكون القيمة الأهم في الفيديو والمقال أنهما يعيدان صياغة السؤال من جديد، فبدلًا من الاكتفاء بالسؤال: كيف يفهم العالم الإسلام؟، يصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف نقدم نحن جوهر الإسلام في واقعنا وسلوكنا؟، فالصورة الحقيقية لأي منظومة فكرية لا تتشكل من النصوص وحدها، وإنما من الطريقة التي تتحول بها هذه النصوص إلى أخلاق وممارسات.

ومن هنا تبدو أطروحة الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي قائمة على معادلة واضحة: القرآن يقدم منظومة من القيم، والإنسان هو الأداة التي تحول هذه القيم إلى واقع، والمجتمع هو المجال الذي تظهر فيه نتائجها.

إن قراءة هذا المقال تكشف أن الحديث عن جوهر الإسلام وصناعة السلام العالمي ليس حديثًا عن السلام باعتباره شعارًا سياسيًا أو أمنية إنسانية، وإنما عن بناء يبدأ من الإنسان نفسه، فالسلام، وفق الرؤية التي يعرضها المقال، لا يمكن أن يصبح واقعًا عالميًا إذا ظل العنف والكراهية والظلم جزءًا من الثقافة والسلوك.

ولهذا فإن قيمة مشروع مؤسسة رسالة السلام العالمية، كما يقدمها المقال، تكمن في محاولة نقل مفهوم السلام من الكلمات إلى الوعي، ومن الوعي إلى السلوك، ومن السلوك الفردي إلى ثقافة مجتمعية أوسع.

وفي النهاية، تظل الرسالة الأبرز هي أن جوهر الإسلام لا يظهر فقط في الحديث عنه، وإنما في الرحمة التي يمارسها الإنسان، والعدل الذي يلتزم به، ورفضه للعدوان، واحترامه لكرامة الآخرين، وعندما تتحول هذه القيم إلى واقع، يصبح الحديث عن مساهمة الإسلام في صناعة السلام العالمي أكثر من مجرد فكرة؛ يصبح مشروعًا قابلًا للحياة والتأثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);