مقالات

علاء عبدالله يكتب: اجتثاث الشر يبدأ من العقول.. كيف يمكن مواجهة التطرف قبل أن يتحول إلى عنف؟

يفتح مقال “اجتثاث الشر من عقول البشر” للمفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية، نقاشًا واسعًا حول أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات، وهو تحول الأفكار المتطرفة إلى سلوك عنيف يهدد الإنسان والدولة والمجتمع، ولا يتوقف الطرح عند وصف مظاهر التطرف، وإنما يحاول البحث عن جذوره الفكرية والنفسية، وكيف يمكن مواجهته من خلال إصلاح الوعي وتصحيح المفاهيم.

وينطلق المقال من رؤية تعتبر أن التطرف لا يظهر بصورة مفاجئة، وإنما يسبقه تراكم فكري يمكن أن يؤثر في طريقة فهم الإنسان للدين والحياة والآخر. ويشير الكاتب إلى أن بعض الروايات والتفسيرات التي يرى أنها ابتعدت عن جوهر القرآن أسهمت، وفق طرحه، في تكوين تصورات دينية مشوهة يمكن أن تستغلها الجماعات المتطرفة لتبرير العنف، وهنا تكمن خطورة المشكلة؛ لأن التعامل مع النتائج وحدها لا يعالج بالضرورة الأسباب التي أنتجتها، فإذا كان العنف يبدأ من فكرة، فإن مواجهة الفكرة تصبح جزءًا أساسيًا من مواجهة العنف نفسه.

ويقيم المقال مقارنة واضحة بين القيم التي يراها جوهرًا للرسالة القرآنية، وفي مقدمتها الرحمة والعدل والحرية وصون الإنسان، وبين ما تفرزه التنظيمات المتطرفة من قتل وتدمير وإقصاء، وتكمن أهمية هذه المقارنة في إعادة طرح سؤال جوهري: هل يمكن أن يكون العنف الذي تمارسه الجماعات المتطرفة تعبيرًا عن الدين، أم أنه توظيف للدين من أجل تحقيق أهداف أيديولوجية وسياسية؟، ومن منظور الكاتب، فإن إعادة الإنسان إلى القيم التي تحمي الحياة وتدعو إلى العدل والتسامح تمثل مدخلًا رئيسيًا لتجفيف منابع التطرف.

ويتناول المقال الجانب النفسي للتطرف، محاولًا تفسير الكيفية التي يمكن من خلالها دفع شخص إلى ارتكاب أعمال عنيفة ضد أبرياء، ويرى الكاتب أن العملية تبدأ باستغلال العقول التي تفتقر إلى الوعي الكافي، ثم الانتقال إلى تكفير الآخرين وتجريدهم من إنسانيتهم، وصولًا إلى منح الجريمة غطاءً دينيًا زائفًا، وهذه النقطة تحديدًا تكشف أن أخطر مراحل التطرف هي اللحظة التي يصبح فيها قتل الآخر، في نظر المتطرف، عملًا مشروعًا أو حتى واجبًا.

ومن هنا، فإن حماية الشباب لا تعني فقط تحذيرهم من التنظيمات المتطرفة، وإنما منحهم القدرة على التفكير النقدي وفهم النصوص الدينية بعيدًا عن التلاعب والتحريض، ولا يقدم المقال التطرف باعتباره مشكلة دينية أو فكرية فقط، بل يربطه بصورة مباشرة بأمن الدولة والمجتمع، فحين تتحول الأفكار المتشددة إلى عمليات عنف، يصبح الجميع عرضة للخطر، سواء كانوا من رجال الشرطة والقوات المسلحة أو المواطنين العاديين.

وبالتالي، فإن مواجهة التطرف تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تجمع بين الإجراءات الأمنية والوقاية الفكرية والتعليمية، بحيث لا تنتظر الدولة وقوع الجريمة للتعامل معها بل تعمل على منع البيئة الفكرية التي يمكن أن تنتجها، ومن أبرز الحلول التي يطرحها المقال الدعوة إلى مراجعة المناهج التعليمية، وإجراء فحص دقيق لما يقدم للطلاب في المدارس والجامعات، مع إزالة أي محتوى يرى الكاتب أنه يمكن أن يؤدي إلى التحريض على الكراهية أو العنف أو التمييز.

ولا تبدو أهمية هذه الدعوة مرتبطة بالمناهج وحدها، وإنما بفكرة أوسع تتمثل في بناء عقل قادر على التمييز بين النص الديني والتأويل البشري، وبين الاختلاف الفكري والتحريض، وبين التدين الحقيقي واستخدام الدين لتبرير الاعتداء على الآخرين، ويضع المقال مبدأ “الدين لله والوطن للجميع” باعتباره أحد المرتكزات التي يمكن أن تقوم عليها الدولة الحديثة، لأنه يفصل بين حق الإنسان في اعتناق عقيدته وبين حق جميع المواطنين في الانتماء إلى وطن واحد دون تمييز.

وتحمل هذه الفكرة أهمية خاصة في المجتمعات المتنوعة، إذ إن استقرار الدولة يتطلب أن يشعر المواطن بأن حقوقه محفوظة بصرف النظر عن دينه أو مذهبه، وأن الاختلاف لا يحوله إلى خصم أو هدف للكراهية، والرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من المقال هي أن القضاء على التطرف لا يتحقق بالسلاح وحده، فالإجراءات الأمنية قد توقف نشاط جماعة أو تحبط مخططًا، لكنها لا تستطيع بمفردها منع ظهور أفكار جديدة تحمل المنهج نفسه.

لذلك يصبح التعليم والإعلام والخطاب الديني والثقافي أدوات أساسية في المعركة، لأنها قادرة على الوصول إلى الإنسان قبل أن يقع تحت تأثير الخطاب المتطرف، ويضع مقال “اجتثاث الشر من عقول البشر” قضية التطرف في إطار أوسع من مجرد مواجهة جماعات مسلحة، إذ يلفت الانتباه إلى المعركة التي تسبق العنف، وهي معركة الأفكار والمفاهيم.

وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع بعض الأطروحات الواردة في المقال، فإن القضية التي يطرحها تستحق النقاش: كيف نحمي عقول الأجيال الجديدة من الأفكار التي تحول الاختلاف إلى كراهية، والكراهية إلى عنف؟، والإجابة تحتاج إلى عمل متكامل يبدأ بالتعليم والوعي، ويمر بالخطاب الثقافي والإعلامي، ولا يتجاهل الدور الأمني، بهدف بناء مجتمع يستطيع أن يحمي حق الإنسان في الحياة والاختلاف والتعايش، ويجعل من التفكير النقدي خط دفاع أول أمام أي أيديولوجية تدعو إلى العنف والإقصاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);