مقالات

علاء عبدالله يكتب: القرآن يشهد للمسيح.. قراءة مختلفة تعيد رسم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين

يفتح هذا الطرح بابًا مختلفًا للنظر إلى العلاقة بين الإسلام والمسيحية، من خلال العودة إلى القرآن الكريم بعيدًا عن التفسيرات التي تشكلت تحت تأثير الصراعات التاريخية والسياسية والمذهبية، فالقراءة التي يقدمها مقال المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي “القرآن يشهد بصحة العقيدة” تنطلق من أن القرآن لا يقدم الرسالات الإلهية باعتبارها ساحات للصدام، وإنما يؤكد وحدة المصدر الإلهي للرسالات ويدعو إلى احترام الأنبياء وما جاءوا به من هداية.

وفي هذا السياق، يلفت المقال إلى المكانة التي منحها القرآن للسيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، إذ تحدث عنه بلغة التكريم والتوقير، وأكد أنه رسول من الله، كما أشار إلى الإنجيل باعتباره كتابًا أنزله الله وفيه هدى ونور، تصبح هذه الآيات، وفق الرؤية المطروحة، أساسًا لفهم أكثر اتزانًا للعلاقة مع المسيحيين، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والصور النمطية التي صنعتها مراحل تاريخية مختلفة.

ويؤكد الطرح أن الإيمان بالقرآن لا ينفصل عن الإيمان بما ورد فيه من تقدير للرسل والكتب السماوية السابقة، وهو ما يفرض قراءة النص القرآني بعيدًا عن الانتقائية، ومن هنا تظهر أهمية إعادة النظر في كثير من التصورات المتبادلة بين أتباع الديانتين، خصوصًا أن جانبًا من التوتر التاريخي لم يكن ناتجًا بالضرورة عن النصوص الدينية نفسها، بقدر ما ارتبط بالصراعات السياسية والحروب والخلافات المذهبية.

ويستند المقال إلى عدد من الآيات التي تؤكد وجود نماذج من المسيحيين الذين اتصفوا بالتواضع وقبول الحق، كما يبرز الآية التي تدعو إلى البر والقسط مع الذين لا يقاتلون المسلمين ولا يخرجونهم من ديارهم، وهي رؤية تضع التعامل الإنساني في إطار أوسع من مجرد الاختلاف في العقيدة، وتجعل العدل والإحسان وحسن المعاملة قواعد أساسية في العلاقات بين البشر.

ومن أبرز الأفكار التي يطرحها المقال أن الاختلاف الديني لا يمكن أن يكون مبررًا للظلم أو التمييز، فالقرآن يأمر بالعدل حتى مع من يختلف معهم الإنسان، وهذه القاعدة تفتح مساحة واسعة أمام بناء علاقات اجتماعية أكثر توازنًا، خصوصًا في المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون والمسيحيون جنبًا إلى جنب، حيث يصبح احترام الآخر والحفاظ على حقوقه جزءًا من استقرار المجتمع وليس مجرد خيار أخلاقي.

كذلك يبرز المقال مبدأ حرية الاعتقاد، مستندًا إلى الآيات التي تنفي الإكراه في الدين وتؤكد أن الإيمان لا يمكن أن يكون نتيجة إجبار، وهذه الفكرة تضع المسؤولية على الاقتناع والوعي والتدبر، بدلًا من تحويل الاختلاف في المعتقد إلى وسيلة للصراع أو فرض الرأي بالقوة.

وتزداد أهمية هذه الرؤية في ظل عالم ما زالت تعاني فيه مجتمعات كثيرة من آثار التعصب وخطابات الكراهية والصراعات ذات الطابع الديني أو الطائفي، فإعادة قراءة النصوص الدينية من مصادرها الأصلية يمكن أن تساعد في تجاوز كثير من الصور التي تراكمت عبر الزمن، وتفتح المجال أمام خطاب يركز على القيم المشتركة بدلًا من البحث الدائم عن نقاط الخلاف.

ويطرح المقال مفهوم “التعارف” باعتباره أحد المفاتيح المهمة لبناء علاقة أكثر إنسانية بين الشعوب والجماعات المختلفة، فالتعارف لا يعني مجرد معرفة الآخر، وإنما فهمه واحترامه والاعتراف بكرامته والتعاون معه في القضايا التي تخدم الإنسان والمجتمع، وبهذا المعنى، يتحول التنوع من مصدر للخوف والصراع إلى فرصة للتواصل والتكامل.

ولا يقدم الطرح التقارب بين المسلمين والمسيحيين باعتباره تنازلًا عن العقيدة أو محاولة لإلغاء الفوارق الدينية، وإنما يقدمه باعتباره مساحة للحوار الإنساني والاحترام المتبادل، فالإيمان بالاختلاف لا يعني تحويله إلى خصومة، كما أن الحفاظ على الهوية الدينية لا يتعارض مع العدل والرحمة وحسن التعامل مع الآخرين.

وتكمن الرسالة الأبرز في أن معالجة الخلافات الدينية لا تبدأ من السجالات السياسية، وإنما من تصحيح المفاهيم وطريقة قراءة النصوص، فعندما يتحول الدين إلى مصدر للرحمة والعدل والإحسان، يصبح قادرًا على أداء دوره في بناء الإنسان، بدلًا من استخدامه وقودًا للخلاف والانقسام.

وفي النهاية، يطرح المقال دعوة إلى إعادة اكتشاف الجانب الإنساني في الخطاب القرآني، بحيث يصبح الاختلاف مدخلًا للتعارف، والإيمان دافعًا للرحمة، والعدل قاعدة للتعامل، والحوار وسيلة لفهم الآخر، وهي رؤية ترى أن السلام الحقيقي لا تصنعه الاتفاقات السياسية وحدها، وإنما يبدأ من وعي الإنسان وإدراكه أن اختلاف المعتقدات لا يلغي وحدة الإنسانية، وأن بناء المجتمعات الآمنة يتطلب احترام الكرامة الإنسانية والتعاون على الخير والبر والإحسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);