محمد طعيمة من كاراكاس: نحمل وجه مصر الثقافي إلى جمهور لا يعرف لغتنا

كتبت: رانيا سمير
في لحظة تحمل رمزية ثقافية عميقة، كان قد أعلن وزير الثقافة الفنزويلي، من أمام أهرامات الجيزة عام 2024، عن اختيار مصر ضيف شرف الدورة الحادية والعشرين من معرض كاراكاس الدولي للكتاب. لم يكن الإعلان بروتوكوليًا عابرًا، بل جاء ليتوج 75 عامًا من العلاقات الثقافية بين مصر وفنزويلا، ويُطلق دورة استثنائية من المعرض تحمل ملامح حضارتين عريقتين، وتعيد رسم جسور التواصل بين العالم العربي وأمريكا اللاتينية من بوابة الكتاب والمعرفة.
وعلى امتداد عشرة أيام، من 3 إلى 13 يوليو 2025، تحوّلت العاصمة الفنزويلية إلى منصّة حيوية للثقافة المصرية، حيث امتد الجناح الرسمي على مساحة 120 مترًا مربعًا، ضمّ مؤسسات كبرى مثل الهيئة العامة للكتاب، ودار الكتب، والمركز القومي للترجمة، والمجلس الأعلى للثقافة، بالإضافة إلى أجنحة مصغّرة لأربع دور نشر خاصة هي: حابي، النابغة، سما، والعربي.
وقدّمت مصر من خلال قاعة “صالة مصر” برنامجًا ثقافيًا متنوّعًا، شمل محاضرات في التاريخ واللغة والاقتصاد والاجتماع، ألقاها نخبة من المفكرين والأكاديميين المصريين، في مقدمتهم الدكتور أحمد زايد، والدكتور ممدوح الدماطي، والدكتور إبراهيم العسال، وغيرهم، لتعكس صورة شاملة عن ثراء المشهد الثقافي المصري، القديم والمعاصر.
لكن وسط هذا الحضور الرسمي والمؤسسي، بزغ نجم دار نشر صغيرة بحجمها، كبيرة برسالتها. دار “حابي” للنشر، التي مثّلها مديرها الدكتور محمد طعيمة، لفتت الأنظار بجناح متفرّد لم يعتمد فقط على الكتب العربية، بل قدّمت مجموعة من الإصدارات باللغة الإسبانية، خصصت لجمهور فنزويلي لا يتحدث العربية، لكنه متعطش لفهم “مصر الأخرى” — تلك التي تمتد جذورها إلى سبعة آلاف سنة، وتتماهى في الوقت نفسه مع الحركات التحررية المعاصرة في أمريكا اللاتينية.
ما قدّمه طعيمة لم يكن مجرد عرض لكتب، بل مشروع ثقافي مدروس، بدأ قبل أشهر من انطلاق المعرض، حين رشحته السفارة المصرية في كاراكاس للمشاركة بناءً على اهتمامه بالترجمة والنشر عبر الثقافات.
وتحوّلت المشاركة إلى تجربة إنسانية حقيقية، استهدفت الأطفال والباحثين على حد سواء، عبر كتب تسرد تاريخ مصر بلغة أهل البلد، وتقدّم سيرة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لجمهور شبابي لم يعايشه، لكنه تعرّف عليه فجأة عندما حمل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كتابًا عن ناصر وتحدّث عنه أمام الكاميرات بحماسة واضحة، ليُشعل فضول الزوار ويقودهم إلى جناح حابي.
في هذا السياق، يروي الدكتور محمد طعيمة، مدير دار حابي للنشر، تفاصيل هذه المشاركة من الداخل: كيف بدأ الأمر؟ ما الذي حمّله معه من كتب وأفكار؟ كيف تفاعل الجمهور الفنزويلي مع ما قدمه؟ وما الذي مثّلته له تلك الرحلة الثقافية من القاهرة إلى كاراكاس؟
في التصريح التالي، يكشف طعيمة كيف يمكن للثقافة أن تعبر المحيطات، لا بجوازات السفر، بل بقوة المعنى ورغبة الشعوب في المعرفة والانفتاح.
يقول الدكتور محمد طعيمة، إن مشاركة الدار في معرض كاراكاس الدولي للكتاب جاءت بناءً على ترشيح من السفارة المصرية في فنزويلا، التي أعدت بدورها تقييمًا لدور النشر التي تهتم بنقل الثقافة المصرية إلى الخارج أو التعريف بثقافات العالم في الداخل. وأوضح أن الترشيح استند إلى مشروع ثقافي سابق تعاون فيه مع النائب العام الفنزويلي طارق ويليام صعب، حيث قامت الدار بترجمة ديوانه الشعري حالم بالرحلة الطويلة من الإسبانية إلى العربية، وعرضته خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير 2025.
ويضيف طعيمة لـ”صوت الأمة العربية” : “من هنا، بدأنا العمل على فكرة نقل الثقافة المصرية إلى الشعب الفنزويلي، من خلال إصدار مجموعة من الكتب باللغة الإسبانية، اللغة الرسمية في فنزويلا. وكان أول هذه الكتب مختصر لتاريخ مصر، يغطي الحقبة من عصر البطالمة عام 331 قبل الميلاد حتى صعود الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 1981، ثم كتاب آخر بعنوان جمال عبد الناصر.. الرجل الذي غيّر التاريخ من إعداد الدكتور محمد الطواب، والذي تناول مراحل حياة عبد الناصر، من النشأة، وقيام ثورة يوليو، إلى مواقفه التاريخية مع حركة عدم الانحياز ودعمه لحركات التحرر العالمية”.
ويتابع: “كما أصدرنا ثلاثة كتب موجهة للأطفال، تسرد مغامرات فتاة فنزويلية تزور مصر، وتتجول بين الإسكندرية والأقصر وأسوان، في تجربة تعليمية بصرية تمزج بين القصص والصور من الحضارة المصرية القديمة”.
الدعم الدبلوماسي كان مفتاح النجاح
وفي حديثه عن التحديات، يقول طعيمة: “لم تكن هناك صعوبات جوهرية بفضل الدعم الكبير من السفارة المصرية في كاراكاس، وخاصة السفير كريم أمين والقنصل العام السيد محمد عبد الوهاب. لقد ساعدونا في التواصل مع مؤلفين فنزويليين، مثل الأستاذ عمر حسين الذي كتب عن أصول البطالمة، والأستاذة ليليان الفنزويلية التي أعدت كتب الأطفال، وكان حبها لمصر حافزًا كبيرًا في التعاون”.

ويشير إلى أن التجربة ألهمته لتعلم اللغة الإسبانية ولو على نحو بسيط، قائلاً: “أنا مش باتكلمها بطلاقة، لكن تعلمت ما يكفي لأتواصل مع الآخرين وأشرح أفكاري”.
الرسالة الثقافية: مصر ليست فقط الأهرامات
ويؤكد طعيمة أن المشاركة لم تكن شكلية أو احتفالية فقط، بل حملت في مضمونها رسالة ثقافية عميقة. وقال: “كنت أتحدث مع إحدى الصحفيات الفنزويليات وشرحت لها أن عصر البطالمة بدأ قبل ميلاد السيد المسيح، فدهشَت وقالت: يعني قبل الميلاد؟! فقلت لها: نحن نتحدث عن حضارة عمرها سبعة آلاف عام، عن رموز مثل رمسيس وكليوباترا ونفرتيتي”.
ويتابع: “المشكلة أن كثيرين يعرفون اسم عبد الناصر، لكن لا يعرفون تفاصيل شخصيته أو تاريخه. نحن نُعرّف الآخرين بمصر الإنسان، مصر التي ألهمت قادة مثل هوغو تشافيز، الذي كان دائمًا يُصرّح بأنه يتبع نهج عبد الناصر. لدرجة أن هناك تمثالًا لعبد الناصر نُصِب في أحد ميادين كاراكاس!”.
إقبال جماهيري واسع.. ونجاح استثنائي
وعن تفاعل الجمهور، يقول: “كان هناك إقبال كبير جدًا من الفنزويليين على شراء الكتب، خاصةً لأنها باللغة الإسبانية. بعد أن تحدث الرئيس مادورو عن كتاب عبد الناصر في حفل الافتتاح، وتناول الكتاب أمام الحضور، ازداد اهتمام الناس فجأة، وبدأوا يتوافدون على الجناح المصري لشراء الكتاب والتعرّف على ناصر”.

ويضيف: “النجاح لم يكن في بيع الكتب فقط، بل في إثارة فضول جيل جديد بالكامل أراد أن يعرف من هو عبد الناصر الذي يتحدث عنه رئيس الجمهورية بهذا الحماس. وكذلك، نالت كتب الأطفال استحسان الزوار، خاصة العائلات، لأنها قدّمت الحضارة المصرية بطريقة ممتعة وسهلة للأطفال”.
ويختتم طعيمة حديثه بالإشادة بالحراك الثقافي الكبير الذي شهده الجناح المصري، قائلاً: “كان هناك حضور مميز من شخصيات مصرية بارزة، مثل الدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية، وأساتذة متخصصين في اللغة الإسبانية، وعلماء آثار تحدثوا عن إنقاذ معبد أبو سمبل، إضافة إلى محاضرة مميزة للدكتور ممدوح الدماطي. هذا التنوع يعكس الصورة الحقيقية لمصر، التي تتنفس ثقافة وفكرًا وتاريخًا”.
بهذا الحضور المتكامل، تحولت مشاركة مصر في معرض كاراكاس إلى نموذج حي للدبلوماسية الثقافية، التي لا تكتفي برفع الأعلام، بل تبني جسورًا من الفهم العميق، وتضع مصر في قلب الخريطة الثقافية لأمريكا اللاتينية، لا كذكرى فرعونية قديمة، بل كصوت حي ومتجدد في حاضر الإنسانية.






