تشويه الدور المصري: حين تُصبح المساعدات “جريمة” والتضليل “نضالًا
أصابع الاحتلال وأبواق الإخوان: حملة مزدوجة ضد الدور المصري في غزة

كتبت: رانيا سمير
في مشهد عبثي يحمل أبعادًا سياسية معقدة، احتفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية بتنظيم تظاهرة أمام السفارة المصرية في تل أبيب، دعت إليها ما تُعرف بـ”الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني”، وهي إحدى أذرع جماعة الإخوان المسلمين. وقد طالبت التظاهرة بفتح معبر رفح ووقف العدوان على غزة، بينما كان لافتًا أن الشعارات والهتافات الموجهة ضد مصر، لا ضد الاحتلال الإسرائيلي، تصدرت المشهد، في وقت يُفترض فيه أن يكون التركيز موجهًا نحو العدو الحقيقي الذي يفرض حصارًا شاملًا على القطاع.
الصحيفة العبرية، في تغطيتها للتظاهرة، سلطت الضوء على مشاركة “نشطاء يهود”، ما يطرح علامات استفهام حول الغرض الحقيقي من هذا التحرك الذي بدا وكأنه يصب في مصلحة حكومة بنيامين نتنياهو، من خلال توجيه الاتهامات إلى مصر، في محاولة لتحميلها مسؤولية الأوضاع الإنسانية الكارثية في غزة، بدلاً من تحميلها لقوات الاحتلال، التي تحاصر القطاع منذ سنوات، وتتحكم في معابره البرية والبحرية والجوية.
هذه التظاهرة لم تمر دون رد من الداخل الفلسطيني، حيث عبّر العديد من المحللين والكتاب عن استنكارهم الشديد، معتبرين أن ما جرى يُعد تشويهًا متعمدًا للدور المصري، الذي يُعد الركيزة الأبرز في دعم القضية الفلسطينية، سواء عبر جهود التهدئة ووقف إطلاق النار، أو من خلال تدفق المساعدات الإنسانية واستقبال الجرحى والمصابين في المستشفيات المصرية. الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني زيد الأيوبي وصف هذه المواقف بأنها إنكار متعمد للحقائق، وقال إن حماس تتصرف كأداة بيد قوى إقليمية تنفذ أجندات خارجية، مؤكدًا أن إنكار الجهود المصرية يأتي ضمن سياق سياسي يخدم تلك الأجندات، رغم معرفة المجتمع الدولي أن المسؤول الأول عن تعقيد الوضع في غزة هو الاحتلال الإسرائيلي وممارساته.
في السياق نفسه، اعتبر المحلل السياسي عبد المهدي مطاوع في تصريحات له أن التظاهر أمام السفارات المصرية انحراف خطير عن جوهر القضية الفلسطينية، قائلاً إن استهداف مصر في هذا التوقيت يخدم الاحتلال ويضعف الصف العربي. وأضاف أن مصر، بما تبذله من جهود على المستويين السياسي والإنساني، تحتل موقعًا متقدمًا لا يجوز التشكيك فيه، وأن حملات التحريض الموجهة ضدها لا تعبر عن موقف وطني مسؤول، بل تصب في خانة التشويش على الدعم العربي وتفتيت الجبهة المتماسكة الداعمة للفلسطينيين.
المفارقة التي أثارت استغراب كثير من الخبراء الفلسطينيين تمثلت في سماح السلطات الإسرائيلية لتنظيم هذه التظاهرة أمام سفارة مصر، بينما لم يتم تنظيم أي وقفات احتجاجية أمام السفارة الإسرائيلية أو وزارة الدفاع أو مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، وهو ما فُسر على أنه محاولة مكشوفة لتحويل وجهة الغضب الشعبي عن المحتل الحقيقي نحو دولة طالما دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن القضية الفلسطينية. كما أشار الخبراء إلى أن الحركة الإسلامية، فرع رائد صلاح المحظورة، تُمنح مساحة للتظاهر أمام سفارة مصر، في مشهد يطرح تساؤلات جدية عن طبيعة العلاقة بين هذه الجماعات وسلطات الاحتلال.
ورداً على هذا السيل من المزاعم، فندت وزارة الخارجية المصرية عددًا من الادعاءات التي انتشرت مؤخراً في محاولة لتشويه دورها. وأكدت الوزارة في بيانها أن مصر لم تغلق معبر رفح من جانبها منذ بداية الحرب، بل إن الجانب الفلسطيني من المعبر يخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وهو من يمنع دخول الشاحنات والمساعدات. وأوضحت أن مصر وفرت 70% من إجمالي المساعدات الإنسانية التي دخلت غزة منذ اندلاع العدوان، واستقبلت مئات المصابين الفلسطينيين في مستشفياتها، ونظّمت مؤتمرًا دوليًا لدعم جهود إعادة الإعمار، وتحرّكت دبلوماسيًا على جميع المستويات لحشد الدعم لفلسطين ومنع التهجير القسري.
الخارجية المصرية شددت على أن التظاهرات أمام سفاراتها لا تخدم القضية الفلسطينية، بل تصب في مصلحة الاحتلال من خلال تحويل الأنظار عن مسؤوليته الكاملة، وتوفير غطاء سياسي وإعلامي له في ظل الجرائم التي يرتكبها يوميًا ضد سكان القطاع. كما اعتبرت أن تلك التحركات تخلق فرقة بين الشعوب العربية وتُضعف الصمود الفلسطيني، مؤكدة أن مصر لن تحيد عن دورها، ولن تلتفت لمحاولات التشكيك في موقفها التاريخي والدائم تجاه فلسطين.
في خضم هذه الحرب الإعلامية والتحريضية، يبقى المشهد واضحًا أمام من يريد الحقيقة: دولة تحت الاحتلال تُقصف وتُحاصر، وسلطة احتلال تتحكم في أرواح الناس ومعابرهم، ودولة عربية، هي مصر، تسعى بكل ما تملك للتخفيف من معاناة المحاصرين، وتُحارب سياسياً ودبلوماسياً وإنسانياً من أجل وقف العدوان وإعادة إعمار ما دمرته الحرب. وبين من ينكر ويتاجر ويضلل، وبين من يدفع الثمن ويصمد ويدعم، تظهر معادن الأطراف الحقيقية، ويسقط القناع عن من يهاجمون مصر وهم يعلمون أن سلوكهم لا يخدم سوى آلة القتل الإسرائيلية.






