مقالات

“اليوم الثالث”.. أيمن حافظ عفرة يكتب :«مصر بين دافوس ومشروعات الوطن… حين تلتقي الرؤية بالفعل»

 

في مرحلة دولية شديدة الاضطراب، تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية مع الصراعات الجيوسياسية، وتُعاد خلالها صياغة النظام الاقتصادي العالمي، جاءت مشاركة مصر في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي تعبيرا صريحا عن موقع الدولة المصرية في معادلة العالم الجديد. لم يكن الحضور المصري شكليًا أو بروتوكوليًا، بل حمل رسالة واضحة: مصر دولة صاحبة رؤية، وتتحرك بثقة، وتدير مصالحها بعقلانية في محيط دولي بالغ التعقيد.

 

يمثل منتدى دافوس إحدى أهم المنصات العالمية لصياغة توجهات الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. أهميته لا تنبع فقط من كونه ملتقى للنخب، بل لأنه مساحة تُرسم فيها السرديات الكبرى التي تحدد مسار العالم. ومن هنا، فإن مشاركة مصر تعكس انتقالها من موقع المتلقي إلى موقع الشريك الفاعل في صياغة الرؤية العالمية.

اللافت أن الحضور المصري في دافوس جاء متسقًا تمامًا مع ما يجري على الأرض داخل الوطن. فالمشروعات القومية الكبرى — من العاصمة الإدارية الجديدة، إلى شبكات الطرق، ومشروعات الطاقة المتجددة، وتطوير الموانئ والمناطق الصناعية — لم تعد إنجازات محلية فحسب، بل تحولت إلى نماذج تُعرض في المحافل الدولية، وتدخل دائرة الاهتمام العالمي.

في هذا الإطار، يصبح دافوس امتدادًا طبيعيًا للمسار التنموي المصري: ما يُبنى في الداخل يُقدَّم للعالم، وما يُناقَش عالميًا ينعكس استثمارًا وشراكات داخل مصر. إنها معادلة الاقتصاد الحديث التي تربط الداخل بالخارج في دائرة واحدة من التأثير المتبادل.

اقتصاديًا، دعمت المؤشرات هذا الحضور السياسي. فمعدل النمو الذي يقترب من 5%، رغم الأزمات العالمية، يعكس تعافيًا حقيقيًا ناتجًا عن إصلاحات هيكلية هدفت إلى توسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز الشفافية. القيمة الحقيقية لهذا الرقم لا تكمن في نسبته، بل في ما يعنيه من فرص عمل، ونشاط صناعي وخدمي، وتحسن تدريجي في مستوى المعيشة والاستقرار الاجتماعي.

وحين يرى العالم اقتصادًا ينمو في زمن الأزمات، تتعزز الثقة، وتتحول هذه الثقة إلى استثمارات، وشراكات، ونقل تكنولوجيا، وفرص حقيقية أمام الشباب المصري.

ولا يقتصر تأثير دافوس على الاقتصاد الكلي فقط، بل يمتد إلى مستقبل الشباب. فالمنتدى يناقش قضايا التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر، وهي ملفات تتقاطع بوضوح مع مشروعات مصر في المدن الذكية والطاقة النظيفة والتعليم التكنولوجي. ما يُناقش اليوم في دافوس قد يصبح فرصة عمل أو تدريب أو تمويل غدًا داخل مصر.

كما يعزز هذا الحضور مكانة مصر الإقليمية والدولية، ويمنحها قدرة أكبر على التفاوض والدفاع عن مصالحها الاقتصادية، بما ينعكس على قوة الدولة وأمنها القومي الاقتصادي.

ومع ذلك، يبقى النجاح الاقتصادي مسؤولية مشتركة. فالتنمية لا تُبنى بالقرارات الحكومية وحدها، بل بشراكة واعية بين الدولة والمجتمع. النقد مطلوب، لكن حين يكون بناءً ومسؤولًا، لا هدامًا يفتقر للحلول.

في النهاية، تتجاوز أهمية دافوس كونه حدثًا دوليًا، ليصبح أداة لتعزيز الثقة وجذب الاستثمار وربط المشروعات الوطنية بالاتجاهات العالمية. ومصر، وهي تتحرك بثبات داخليًا وتقدم نفسها بقوة خارجيًا، لا تبني اقتصادًا فحسب، بل تصنع مستقبلًا أكثر استقرارًا وازدهارًا لأبنائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى