شيخ الأزهر يشيد بمواقف أيرلندا تجاه فلسطين ويؤكد توسيع التعاون العلمي والدعوي

استقبل فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، اليوم الأحد بمقر مشيخة الأزهر الشريف، السفير إيدن أوهارا، سفير أيرلندا لدى القاهرة، وذلك في لقاء تناول سبل تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين في المجالات الدينية والثقافية والتعليمية، إلى جانب بحث عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها تطورات القضية الفلسطينية.
ويأتي هذا اللقاء في إطار تحركات الأزهر المستمرة لتعزيز حضوره العالمي، وترسيخ دوره بوصفه أحد أبرز المؤسسات الدينية المعتدلة التي تدعو إلى السلام والحوار والتعايش بين الشعوب والثقافات المختلفة.
وخلال اللقاء، أعرب شيخ الأزهر عن تقديره الكبير للمواقف التي تتبناها أيرلندا دعمًا لحقوق الشعب الفلسطيني، مؤكدًا أن هذه المواقف تعبّر عن انحياز واضح لقيم العدالة الإنسانية والضمير الأخلاقي في مواجهة ما يتعرض له الفلسطينيون من معاناة وانتهاكات مستمرة.
وأكد فضيلته أن الموقف الأيرلندي تجاه القضية الفلسطينية يعكس شجاعة سياسية وإنسانية تحسب لهذا البلد الأوروبي، مشيرًا إلى أن التاريخ سيسجل هذه المواقف الداعمة للحق الفلسطيني بوصفها مواقف نابعة من احترام حقوق الإنسان ورفض الظلم والعدوان.
وأضاف أن ما تقوم به أيرلندا من دفاع عن الحقوق الفلسطينية يمثل نموذجًا للدول التي تنحاز إلى المبادئ الإنسانية بعيدًا عن الحسابات الضيقة، خاصة في ظل ما يشهده قطاع غزة والضفة الغربية من أوضاع إنسانية صعبة تتطلب تحركًا دوليًا جادًا لوقف الانتهاكات وحماية المدنيين.
وتحدث شيخ الأزهر خلال اللقاء عن الدور التاريخي الذي تضطلع به المؤسسة الأزهرية منذ أكثر من ألف عام، موضحًا أن الأزهر لم يكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل ظل عبر القرون منارة علمية وفكرية ودعوية تنشر صحيح الدين الإسلامي وقيم الاعتدال والوسطية.
وأشار فضيلته إلى أن الأزهر يستقبل طلابًا من مختلف دول العالم، يأتون لتلقي العلوم الشرعية والعربية من منابعها الأصيلة، وهو ما عزز مكانته بوصفه مرجعية إسلامية كبرى تحظى بثقة المسلمين في الشرق والغرب.
وأكد أن رسالة الأزهر تقوم على ترسيخ ثقافة السلام والتعايش الإنساني واحترام الآخر، إلى جانب مواجهة الفكر المتطرف والتصدي لمحاولات استغلال الدين في نشر الكراهية أو العنف.
«بيت العائلة المصرية» نموذج للتعايش الوطني
واستعرض الإمام الأكبر جانبًا من جهود الأزهر في تعزيز السلم المجتمعي داخل مصر، مشيرًا إلى تجربة «بيت العائلة المصرية» التي أُطلقت بالتعاون مع الكنائس المصرية، وأسهمت في مواجهة الفتن الطائفية وتعزيز روح المواطنة والتلاحم الوطني.
وأوضح أن هذه المبادرة نجحت في تقديم نموذج عملي للتعاون بين المؤسسات الدينية من أجل حماية النسيج الوطني وترسيخ قيم الاحترام المتبادل، مؤكدًا أن الحوار والتفاهم يظلان السبيل الأهم لمواجهة أي محاولات لإثارة الانقسام أو الكراهية.
جهود إقليمية للتقريب بين المذاهب الإسلامية
وعلى المستوى الإقليمي، أشار شيخ الأزهر إلى جهود المؤسسة في التقريب بين المدارس والمذاهب الإسلامية المختلفة، مؤكدًا أن الأزهر يعمل على تعزيز وحدة الأمة الإسلامية وتجاوز مساحات الخلاف.
وتحدث فضيلته عن مؤتمر «الحوار الإسلامي الإسلامي» الذي انعقدت نسخته الأولى في مملكة البحرين، موضحًا أن المؤتمر استهدف فتح آفاق جديدة للتفاهم بين مختلف التيارات والمدارس الفكرية الإسلامية، وتحويل العلاقة بينها من دائرة الصراع إلى مساحة للتكامل والتعاون.
وأكد أن العالم الإسلامي في حاجة إلى خطاب موحد يعزز قيم الاعتدال ويواجه دعوات التشدد والانقسام.
انفتاح عالمي ووثيقة تاريخية للأخوة الإنسانية
كما تناول شيخ الأزهر جهود المؤسسة على الصعيد الدولي، مشيرًا إلى انفتاح الأزهر على المؤسسات الدينية والثقافية الكبرى حول العالم، ومنها الفاتيكان وكنتربيري ومجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط.
وأوضح أن هذه الجهود تُوجت بتوقيع وثيقة «الأخوة الإنسانية» عام 2019 مع البابا فرنسيس الراحل، والتي عُدت واحدة من أهم الوثائق الإنسانية الداعية إلى السلام والتعايش ونبذ الكراهية والتطرف.
وأشار إلى أن الوثيقة أسست لمرحلة جديدة من الحوار بين الأديان والثقافات، وأسهمت في تعزيز التعاون الإنساني المشترك لمواجهة التحديات العالمية.
زيادة المنح التعليمية للطلاب الأيرلنديين
وفي إطار دعم الأزهر للجاليات المسلمة حول العالم، أعلن شيخ الأزهر استعداد المؤسسة لزيادة عدد المنح الدراسية المقدمة للطلاب المسلمين في أيرلندا، فضلًا عن تقديم منح «التعريف بالإسلام» للراغبين في دراسة تعاليم الدين الإسلامي الصحيحة.
وكشف فضيلته أن عدد الطلاب الأيرلنديين الدارسين بالأزهر يبلغ حاليًا 23 طالبًا، بعضهم يدرس على منح أزهرية كاملة، وهو ما يعكس تنامي الاهتمام بالدراسة في الأزهر داخل المجتمع الأيرلندي.
تدريب الأئمة وتأهيلهم للقضايا المعاصرة
كما أبدى شيخ الأزهر استعداد المؤسسة لتدريب أئمة أيرلندا داخل أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ، بهدف رفع كفاءتهم العلمية والفكرية، ومساعدتهم على التعامل مع التحديات المعاصرة التي تواجه المجتمعات المسلمة في الغرب.
وأوضح أن برامج التدريب تركز على قضايا التعايش المشترك، ومكانة المرأة في الإسلام، ومواجهة الأفكار المتشددة، بما يسهم في تقديم خطاب ديني معتدل ينسجم مع قيم المواطنة والسلام.
مقترح لإنشاء مركز لتعليم اللغة العربية في أيرلندا
وأشار الإمام الأكبر كذلك إلى إمكانية إنشاء مركز متخصص لتعليم اللغة العربية في أيرلندا، بهدف خدمة الجالية المسلمة هناك، ومساعدة أبنائها على تعلم لغة القرآن الكريم وتعزيز ارتباطهم بهويتهم الثقافية والدينية.
وأكد أن نشر اللغة العربية يمثل جزءًا من رسالة الأزهر التعليمية والثقافية، باعتبارها لغة الحضارة الإسلامية وأحد أهم الجسور التي تربط المسلمين بتراثهم الديني والفكري
من جانبه، أعرب السفير الأيرلندي إيدن أوهارا عن سعادته بلقاء شيخ الأزهر، مشيدًا بالدور الذي يقوم به فضيلته في تعزيز قيم السلام العالمي والتعايش والأخوة الإنسانية.
وأكد أن الأزهر يمثل مؤسسة دينية معتدلة تحظى باحترام واسع على المستوى الدولي، لما يقدمه من جهود في نشر الفكر الوسطي ومواجهة التطرف.
وأكد السفير الأيرلندي أن موقف بلاده من القضية الفلسطينية ينطلق من إيمان راسخ بأهمية تحقيق السلام العادل ورفض الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني.






