السحر والشعوذة.. أخطر الفتن وسبل التحصين بالقرآن والسنة

في وقت تتزايد فيه الأزمات النفسية والاجتماعية، وتتصاعد معه مخاوف كثير من الناس من الحسد والسحر والشعوذة، تعود قضية السحر إلى واجهة الاهتمام باعتبارها واحدة من أخطر القضايا التي تهدد العقيدة وتفتح أبواب الخرافة والدجل واستغلال البسطاء وبين ادعاءات المشعوذين بامتلاك القدرة على جلب الخير أو دفع الشر، تؤكد الشريعة الإسلامية أن السحر باب من أبواب الفساد والانحراف العقدي، وأن النجاة الحقيقية لا تكون إلا بالاعتصام بالله تعالى واللجوء إلى القرآن الكريم والسنة النبوية.
وفي هذا السياق، شددت وزارة الأوقاف على أن السحر والشعوذة يمثلان خطرًا حقيقيًا على الفرد والمجتمع، لما يترتب عليهما من نشر الخوف والقلق والتفكك الأسري والاضطرابات النفسية، مؤكدة أن الإسلام واجه هذه الظاهرة بمنهج واضح يجمع بين التحذير من السحرة والدجالين وبيان وسائل الوقاية والتحصين الشرعية.
السحر من السبع الموبقات
أكدت وزارة الأوقاف أن السحر يُعد من السبع الموبقات، أي من الكبائر التي تهلك صاحبها في الدنيا والآخرة، مستشهدة بقول الله تعالى:
﴿وَلَٰكِنَّ ٱلشَّیَٰطِینَ كَفَرُوا۟ یُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَاۤ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَیۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا یُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ یَقُولَاۤ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةࣱ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَیَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا یُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَیۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ﴾.
وتوضح الآية الكريمة أن السحر ليس مجرد أوهام أو حيل عابرة، بل فتنة عظيمة قد تقود الإنسان إلى الكفر والانحراف عن طريق الله، خاصة إذا اقترنت بالاستعانة بالشياطين أو ادعاء معرفة الغيب.
كما جاءت السنة النبوية بتحذير شديد من التعامل مع السحرة والكهنة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ».
ويكشف هذا الحديث حجم الخطر الذي يمثله اللجوء إلى الدجالين والمشعوذين، إذ يجعل الإنسان معلق القلب بغير الله، فاقدًا لليقين والثقة في قدرة الله تعالى.
الإمام الرازي يكشف أخطر أنواع السحر عبر التاريخ
وفي تفسيره الكبير، قسّم الإمام فخر الدين الرازي السحر إلى ثمانية أنواع رئيسية، موضحًا أن هذه الأنواع تتدرج بين الخداع النفسي والاستعانة بالقوى الخفية والتلاعب بعقول الناس ومشاعرهم.
سحر الكلدانيين وعبادة الكواكب
يعد هذا النوع من أقدم صور السحر في التاريخ، حيث كان الكلدانيون يعتقدون أن الكواكب السبعة تتحكم في مصائر البشر وتجلب الخير والشر، فربطوا حياتهم بحركة النجوم والكواكب.
وقد جاء الإسلام ليحارب هذه المعتقدات لأنها تصرف القلوب عن التعلق بالله تعالى، وتغرس الوهم والخرافة في النفوس.
سحر الإيحاء والتأثير النفسي
يعتمد هذا النوع على قوة الإيحاء والتأثير النفسي، حيث يتمكن بعض الأشخاص من السيطرة على عقول الآخرين عبر الخداع والتلاعب بالمشاعر.
ويرى علماء الدين أن كثيرًا من أعمال الدجل الحديثة تعتمد على هذا الأسلوب، من خلال استغلال خوف الناس وضعفهم النفسي لإقناعهم بأنهم ضحايا للسحر أو الحسد.
الاستعانة بالجن والأرواح الخفية
وهو من أخطر أنواع السحر، حيث يقوم الساحر بالاستعانة بالشياطين والجن لتحقيق أغراض معينة، سواء للإيذاء أو التفريق أو بث الرعب والخوف بين الناس.
وأكدت وزارة الأوقاف أن هذا النوع يمثل انحرافًا عقديًا خطيرًا، لأنه يقوم على التقرب إلى الشياطين بأعمال محرمة.
التخييل وخداع الأبصار
يعتمد هذا النوع على الخداع البصري والتمويه، كما حدث مع سحرة فرعون عندما خُيّل للناس أن الحبال والعصي تتحرك كأنها حيات تسعى.
ولا تزال بعض أعمال الشعوذة الحديثة تعتمد على هذا الأسلوب لإقناع الناس بوجود قدرات خارقة للطبيعة.
السحر القائم على الطلاسم والحروف
ويشمل الأعمال التي تعتمد على الطلاسم والرموز والأرقام والحروف الغامضة، والتي يروج لها بعض المشعوذين بزعم امتلاك أسرار خفية.
ويؤكد العلماء أن هذه الممارسات لا أصل لها في الدين، وغالبًا ما ترتبط بالشعوذة والاستعانة بالشياطين.
النميمة والتفريق بين الناس
لم يقتصر مفهوم السحر عند بعض العلماء على الأعمال الخفية فقط، بل شمل كذلك كل ما يؤدي إلى نشر العداوة والبغضاء بين الناس، خاصة بين الأزواج والأسر.
ويعد التفريق بين الزوجين من أخطر صور السحر التي ورد ذكرها في القرآن الكريم لما يسببه من دمار نفسي وأسري.
التأثير عبر العقاقير والمواد
ويتعلق هذا النوع باستخدام مواد أو عقاقير تؤثر في العقل والجسد وتغير إدراك الإنسان وسلوكه.
وقد استغل بعض الدجالين هذه الوسائل لإقناع ضحاياهم بأنهم يعانون من أعمال سحرية أو مس شيطاني.
سحر استضعاف العقول
وهو القائم على الخداع واستغلال جهل الناس وضعفهم النفسي، من خلال ادعاءات كاذبة وقدرات مزعومة يستخدمها المشعوذون للسيطرة على ضحاياهم ماديًا ومعنويًا.
التفريق بين الزوجين.. أخطر صور السحر الاجتماعي
أكدت وزارة الأوقاف أن من أخطر صور السحر ما يتعلق بإفساد العلاقة بين الزوج والزوجة، ودفع أحدهما إلى كراهية الآخر أو الرغبة في الطلاق والزواج من شخص آخر.
وأوضحت أن هذا النوع من الأعمال محرم شرعًا تحريمًا قاطعًا، لما يسببه من انهيار البيوت وتفكك الأسر وضياع الأبناء، فضلًا عن كونه اعتداءً مباشرًا على استقرار المجتمع.
لماذا يلجأ البعض إلى السحرة والمشعوذين؟
يرى متخصصون في الشأن الديني والاجتماعي أن الخوف والجهل وضعف الوعي الديني من أبرز الأسباب التي تدفع بعض الناس إلى أبواب الدجالين، خاصة عند التعرض للأزمات أو الأمراض أو المشكلات الأسرية.
ويستغل المشعوذون هذه الحالة لتحقيق مكاسب مالية ضخمة، عبر إقناع ضحاياهم بوجود أعمال سحرية أو حسد أو مس شيطاني، ثم يبيعون لهم الوهم تحت ستار العلاج الروحي.
وتؤكد المؤسسات الدينية أن العلاج الحقيقي يبدأ بالإيمان بالله تعالى، واللجوء إليه بالدعاء والذكر وقراءة القرآن، بعيدًا عن الخرافات والشعوذة.
القرآن الكريم.. الحصن الأقوى ضد السحر والحسد
شددت وزارة الأوقاف على أن القرآن الكريم هو أعظم حصن للمسلم، وأنه أقوى وسائل الوقاية من السحر والحسد والشرور كافة.
سورة الفاتحة وآية الكرسي
تعد سورة الفاتحة وآية الكرسي من أعظم الآيات التي يتحصن بها المسلم، لما ورد فيهما من فضائل عظيمة في حفظ الإنسان ودفع الأذى عنه.
المعوذات.. درع يومي للحماية من الشرور
وروت السيدة عائشة بنت أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم قرأ:
سورة الإخلاص
سورة الفلق
سورة الناس
ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده ثلاث مرات، في صورة عملية عظيمة للتحصين والحماية من الشرور.
سورة البقرة.. السورة التي تعجز عنها الشياطين
أكدت السنة النبوية فضل سورة البقرة في طرد الشياطين وإبطال كيد السحرة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ».
والمقصود بـ«البطلة» هنا السحرة، في إشارة واضحة إلى قوة تأثير هذه السورة المباركة في حماية البيوت والأشخاص.
أذكار نبوية للحفظ من الشرور
“بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء”
من الأذكار العظيمة التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم قول:
«بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».
وأكدت الأحاديث النبوية أن المحافظة على هذا الذكر صباحًا ومساءً من أسباب الحفظ والوقاية بإذن الله.
“أعوذ بكلمات الله التامات”
ومن أعظم أدعية التحصين كذلك:
«أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ».
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء عند النزول في أي مكان، لما فيه من حفظ وأمان من الشرور والآفات.
دعاء تحصين الأبناء من العين والسحر
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما بقوله:
«أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ».





