محمد مدني يكتب … انفصال تحت اسم التواصل

في البداية وعدتنا السوشيال ميديا بالتقارب وبالعالم المفتوح وبأن المسافات ستصبح صفر وبأن العائلة ستكون أقرب من أي وقت مضى
لكن ما حدث على أرض الواقع كان العكس تماما تحولت البيوت إلى غرف منفصلة يجمعها سقف واحد ويفصل بينها شاشة
الأب في غرفة يتصفح الأخبار والأم في غرفة تتابع الفيديوهات والأبناء في غرفهم غارقون في التيك توك والريلز والقصص التي لا تنتهي
الجميع متصل بالإنترنت ومفصول عن بعضه البعض وهذا هو التعريف الجديد للانفصال الاجتماعي
أصبح الحوار داخل الأسرة رسالة قصيرة بدلا من جلسة طويلة وأصبحت المشكلة الكبيرة تحل بكلمة سريعة بدلا من نقاش حقي
الأطفال تعلموا الكلام من المقاطع قبل أن يتعلموه من أمهاتهم والمراهقون يبنون شخصياتهم من المؤثرين قبل أن يبنوها من آبائهم
الخطر الأول أن السوشيال ميديا سرقت الوقت المشترك وقت الأكل وقت السهر وقت الحكايات قبل النوم
الخطر الثاني أنها صنعت مقارنات قاتلة داخل البيت الواحد الأم تقارن بيتها ببيوت تعرض أفضل لقطة فقط والزوج يقارن زوجته بصور معدلة والابن يقارن مستواه بحياة مزيفة
الخطر الثالث أنها أعطت لكل فرد عالما خاصا لا يشارك فيه أحد فصار لكل شخص جمهور ومتابعون وأصدقاء افتراضيون أهم من الموجودين في نفس الغرفة
الخطر الرابع والأخطر هو تآكل لغة الحوار داخل الأسرة صار الصراخ أسرع من النقاش وصار الهروب إلى الموبايل أسهل من المواجهة
حتى المناسبات التي كانت تجمعنا تحولت إلى سباق تصوير من أجل النشر لا من أجل العيش
العزاء أصبح بوست والفرح أصبح ستوري والمشكلة أصبحت تعليق والاعتذار أصبح بلوك
النتيجة أن التواصل الاجتماعي أنتج جيلا يعرف كيف يعلق على حياة الآخرين ولا يعرف كيف يسأل عن حال أخيه
الأسرة التي هي الخلية الأولى في المجتمع بدأت تتفك ليس بالطلاق فقط بل بالصمت وبالبعد وبغياب القدوة وبغياب الرقابة
الأب الغائب حاضرا على الفيسبوك والأم الغارقة في الجروبات والابن الذي يتعلم العنف من الألعاب والتنمر من التعليقات
المدرسة لم تعد المصدر الوحيد للمعرفة والشارع لم يعد المكان الوحيد للتربية بل صار الخوارزمي هو المربي الجديد
وهذا المربي لا يعرف دين ولا عرف ولا حدود ولا مسؤولية كل همه أن يبقيك متصفحا أطول وقت ممكن
الحل لا يكمن في إغلاق الهواتف ولا في شيطنة التكنولوجيا الحل يبدأ باعتراف بسيط أننا فقدنا السيطرة
الحل يبدأ بساعة بلا شاشات في البيت بوجبة واحدة يجلس فيها الجميع بلا موبايلات بحوار يومي يسأل فيه الأب عن يوم ابنه وتسأل فيه الأم عن حلم ابنتها
الحل يبدأ بتربية رقمية تعلم الطفل أن ليس كل ما يراه حقي وليس كل ما ينشر يستحق التقليد وليس كل من يتحدث خبير
الحل يبدأ بأن نعيد للأسرة هيبتها بأن نعيد للأب دوره وللأم حضورها وللأخ دوره في حياة أخيه
السوشيال ميديا أداة ومن يملك الأداة يحدد استخدامها فإما أن نستخدمها لنبني أو نتركها تهدم
اليوم نحن أمام مفترق طرق إما أن نستمر في هذا الانفصال الاجتماعي المقنع باسم التواصل أو نعود لبيوت تتكلم وتسمع وتتحاور وتختلف ثم تتصالح
الأسرة لا تحتاج إلى شبكة أقوى بل تحتاج إلى قلوب أقرب وإلى وقت حقي وإلى عيون تنظر لبعضها لا لشاشة
قبل أن نبحث عن متابعين جدد فلنبحث عن أبنائنا في الغرفة المجاورة
قبل أن ننشر صورة العائلة المثالية فلنصنع عائلة حقيقية تستحق أن تصور
لأن الخسارة الأكبر ليست ضياع الوقت على السوشيال ميديا بل ضياع الأسرة ونحن نظن أننا نتواصل






