علاء عبدالله يكتب: بين التقدم والإنسانية.. أين يقف الإنسان من رسالته؟

تقدم رؤية المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي بعنوان “نداء من الله إلى الإنسان” قراءة فلسفية عميقة في مفهوم الرسالة الإنسانية منطلقًا من فكرة أساسية مفادها أن الإنسان لم يخلق ليكون مجرد مستهلك لموارد الحياة، وإنما ليحمل مسؤولية حقيقية تجاه نفسه ومجتمعه والعالم من حوله، ومن هنا يأتي النداء الموجه إلى الإنسان باعتباره نداءً عالميًا لا يرتبط بجنس أو عرق أو طائفة أو حدود جغرافية، وإنما يجمع البشر تحت مظلة إنسانيتهم المشتركة.
وتبدأ القراءة من سؤال بالغ الأهمية: ماذا يفعل الإنسان بوجوده؟ فالحياة، وفق هذا التصور، ليست مجرد رحلة مؤقتة تنتهي بانتهاء العمر، وإنما مساحة للاختيار والعمل وترك أثر يستمر بعد رحيل الإنسان، وكل فرد مسؤول عن الأثر الذي يتركه، سواء كان هذا الأثر خيرًا وإصلاحًا، أو ظلمًا وخرابًا.
ومن أبرز المحاور التي يتوقف عندها الطرح أسئلة الوجود ومراجعة الإنسان لذاته، خاصة أمام ما قد يصيبه من غرور بسبب القوة أو المال أو السلطة أو المعرفة، فالتقدم الذي يمنح الإنسان شعورًا بالقدرة لا ينبغي أن يتحول إلى وهم بالاستغناء، لأن امتلاك أدوات القوة لا يعني بالضرورة امتلاك الحكمة في استخدامها.
وهنا تبرز أهمية السؤال القرآني: “ما غرّك بربك الكريم” باعتباره دعوة إلى محاسبة النفس والتوقف أمام مصادر الغرور الإنساني، كما يرتبط ذلك بحقيقة أن الإنسان في حركة وسعي دائمين، وأن السؤال الأهم ليس فقط إلى أين يسير، وإنما ماذا يصنع بهذا السعي، وهل يتحول جهده إلى إعمار وإصلاح، أم إلى هدم ودمار؟
ويضع الطرح منظومة من القيم في قلب المشروع الإنساني، وفي مقدمتها العدل والرحمة والصدق والإحسان والوفاء وحفظ النفس وصيانة الكرامة، فهذه القيم ليست ترفًا أخلاقيًا يمكن الاستغناء عنه، وإنما تمثل الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات المستقرة والحضارات الحقيقية.
ومن هذه الزاوية، يصبح الاختلاف بين البشر فرصة للتعارف والتكامل وليس سببًا للصراع، فالتنوع الإنساني لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للعداء، بل يمكن أن يكون مصدرًا للتعاون وتبادل الخبرات وبناء جسور التفاهم. وكلما غابت القيم أصبح الاختلاف وقودًا للحروب والانقسامات.
ويطرح المقال كذلك واحدة من أبرز مفارقات الإنسان المعاصر فالبشر استطاعوا تحقيق إنجازات علمية وتكنولوجية هائلة، ووصلوا إلى مراحل متقدمة في استكشاف الفضاء وتطوير المعرفة، لكنهم ما زالوا عاجزين في أحيان كثيرة عن حل مشكلات أساسية تتعلق بالحروب والظلم وحماية الضعفاء وصون كرامة الإنسان.
وهذه المفارقة تكشف أن التقدم العلمي وحده لا يكفي لصناعة الحضارة، فالعلم عندما ينفصل عن الأخلاق يمكن أن يتحول من وسيلة للبناء إلى أداة للهيمنة والدمار، ولذلك تبرز العبارة المحورية في الطرح “قيمة الإنسان ليس فيما يملك بل فيما يقدم” وهي فكرة تنقل معيار قيمة الإنسان من حجم ممتلكاته ومكانته إلى حجم أثره الإيجابي في حياة الآخرين.
فالمال والسلطة والمعرفة لا تمنح الإنسان قيمة حقيقية إذا لم تتحول إلى خدمة للناس وتحقيق للعدل والرحمة والسلام، ومن هنا تصبح المسؤولية الأخلاقية هي الحلقة التي تربط بين ما يمتلكه الإنسان من قدرات وبين ما يقدمه لمجتمعه وللبشرية.
وفي المحور الأخير، يقدم الطرح تصورًا واضحًا لطريق الخروج من الأزمة الإنسانية، يبدأ أولًا بإدراك الإنسان لرسالته، ثم بناء الإنسان الأخلاقي من الداخل، وصولًا إلى تحقيق السلام والعدالة، ويعكس هذا الترتيب قناعة بأن أي مشروع حضاري حقيقي يحتاج إلى أساس أخلاقي قبل أن يعتمد على التطور المادي أو التقدم التقني.
فالإنسان الذي يستخدم علمه وقدراته في الظلم والبطش وإهانة الآخرين، مهما بلغ من التقدم، يفقد جزءًا أساسيًا من إنسانيته، أما حين تتحول المعرفة إلى خدمة، والقوة إلى حماية، والقدرة إلى مسؤولية، فإن الإنسان يصبح أكثر قربًا من الغاية التي تمنح وجوده معنى.
وفي النهاية، يترك الطرح سؤالًا مفتوحًا أمام البشرية بأكملها: هل تستجيب لنداء الإنسانية وتعيد اكتشاف مسؤوليتها تجاه الحياة، أم تستمر في استخدام قدراتها دون ضوابط أخلاقية حتى تصبح سببًا في تدمير ما بنته؟
إن القضية المطروحة ليست مجرد نقاش فلسفي، وإنما مراجعة ضرورية لطريقة فهم الإنسان لدوره في العالم، فالحضارة لا تقاس فقط بما تشيده من مبانٍ وما تنتجه من تكنولوجيا، وإنما بما تحققه من عدل، وما تصونه من كرامة، وما تمنحه للإنسان من أمن وسلام، ومن هنا فإن الاختيار الحقيقي أمام البشرية ليس بين التقدم والتراجع، وإنما بين تقدم تحكمه القيم، وتقدم قد يقود، إذا انفصل عن الإنسانية، إلى عكس الغاية التي نشأ من أجلها.






