علاء عبدالله يكتب: حين ينطفئ النور من الداخل.. كيف يقودنا الانحراف الصغير إلى ظلمات متراكمة؟

يقدم التحليل الذي طرحه المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي رؤية عميقة لفكرة فقدان النور الداخلي، موضحًا أن ابتعاد الإنسان عن الوعي الأخلاقي والروحي لا يحدث عادةً بصورة مفاجئة، وإنما يبدأ بخطوات صغيرة قد لا ينتبه إليها الإنسان في بدايتها ثم تتراكم تدريجيًا حتى يصبح من الصعب عليه رؤية الحقيقة بوضوح.
وتكمن أهمية الفكرة في أنها تنقل مفهوم الضلال من كونه قرارًا لحظيًا إلى كونه مسارًا نفسيًا وأخلاقيًا متدرجًا، فالإنسان قد يبدأ بانحراف بسيط ثم يتجاهل ما يعرف أنه حق، وبعد ذلك يسمح لهواه بأن يقوده ثم يبدأ في اختلاق المبررات التي تمنحه شعورًا زائفًا بأنه على الطريق الصحيح، ومع تكرار هذه المراحل تتكون حواجز متتالية تحجب عنه قدرته على مراجعة نفسه.
ويستعين التحليل بصورتين قرآنيتين شديدتي الدلالة لتفسير هذه الرحلة؛ الأولى صورة السراب، حيث يرى الإنسان الشيء أمامه بالفعل، لكنه يخطئ في فهم حقيقته، وهنا لا تكون المشكلة في العين التي ترى، وإنما في البصيرة التي تفسر ما تراه وهذه المرحلة تكشف خطورة أن يمتلك الإنسان القدرة على رؤية الأحداث والوقائع لكنه يفقد القدرة على قراءتها قراءة صحيحة بسبب تأثير الهوى أو المصلحة أو الأفكار المسبقة.
أما الصورة الثانية فهي صورة الظلمات المتراكمة في البحر العميق، حيث لا تعود المشكلة مجرد تفسير خاطئ، بل يتحول الأمر إلى فقدان تدريجي للنور نفسه، فكلما تراكمت الأخطاء والانحرافات والتبريرات أصبح الإنسان أكثر ابتعادًا عن القدرة على رؤية الحقيقة، حتى وإن كانت قريبة منه وواضحة أمامه.
ويقدم التحليل تفسيرًا لافتًا لهذا التراكم من خلال خمس مراحل تبدأ بانحراف صغير عن الصواب، ثم الإعراض عن الحقيقة، واتباع الهوى، والبحث عن المبررات، وصولًا إلى تراكم الحجب التي تمنع النور من الوصول إلى الداخل، وتكمن الخطورة هنا في أن كل خطوة قد تبدو منفصلة وبسيطة، لكن اجتماعها مع الوقت يصنع تغييرًا كبيرًا في طريقة تفكير الإنسان ونظرته إلى الأشياء.
ومن هنا تظهر إحدى أهم الرسائل التي يحملها التحليل: الأخطاء لا تبقى دائمًا في حدود الخطأ الأول، فالإنسان عندما يعتاد تجاوز موقف أخلاقي أو تجاهل حقيقة واضحة قد يصبح أكثر استعدادًا لتكرار الأمر، ثم الانتقال إلى ما هو أبعد منه وبمرور الوقت يتحول الاستثناء إلى عادة، والعادة إلى سلوك، والسلوك إلى جزء من طريقة التفكير.
ويحاول التحليل كذلك الربط بين الصورة الروحية لفقدان النور وبعض المفاهيم الفيزيائية المتعلقة بالضوء والامتصاص والانعكاس داخل التجاويف، في محاولة لتقريب الفكرة بصورة محسوسة، والمغزى الذي يركز عليه هذا الربط هو أن الضوء قد يتعرض للاستنزاف تدريجيًا بدل أن يختفي دفعة واحدة، وهي الصورة التي يستخدمها التحليل لتفسير خفوت النور الأخلاقي والروحي داخل الإنسان.
لكن القضية الأهم ليست في وصف الظلام، وإنما في البحث عن كيفية العودة إلى النور قبل الوصول إلى مرحلة يصعب فيها إدراك الطريق، وهنا يطرح التحليل مجموعة من القيم الإنسانية باعتبارها وسائل لحماية الإنسان من الانزلاق وفي مقدمتها السلام والعدل والرحمة والحرية والخير.
هذه القيم لا ينبغي النظر إليها باعتبارها شعارات مثالية منفصلة عن الواقع، وإنما باعتبارها أدوات عملية يمكن أن تساعد الإنسان على مراجعة قراراته ومواقفه، فالعدل يمنعه من ظلم الآخرين، والرحمة تجعله أكثر قدرة على فهم ضعف الإنسان، والسلام يبعده عن منطق الصراع والكراهية، بينما تمثل الحرية المسؤولة قدرة على الاختيار دون الاعتداء على حقوق الآخرين.
وتبرز هنا رسالة شديدة الأهمية: حماية النور الداخلي ليست مسؤولية دينية أو روحية فقط وإنما مسؤولية إنسانية أيضًا، فكلما تراجعت قيم الرحمة والعدل وانتشرت الكراهية والتعصب، أصبح المجتمع أكثر عرضة لفقدان البوصلة الأخلاقية التي تضبط العلاقات بين أفراده.
وفي النهاية، يضع التحليل الإنسان أمام سؤال لا يتعلق بالآخرين بقدر ما يتعلق بنفسه: هل نراجع أخطاءنا الصغيرة قبل أن تتحول إلى حواجز كبيرة؟ وهل نمتلك الشجاعة للاعتراف عندما ننحرف عن الطريق، أم نواصل اختراع المبررات التي تجعلنا أكثر ابتعادًا عن الحقيقة؟
فالظلام الحقيقي لا يبدأ عندما تختفي الرؤية بالكامل، وإنما عندما يعتاد الإنسان على خفوت النور ولا يحاول استعادته، ولذلك فإن حماية النور الداخلي تبدأ من لحظة الوعي، ومن القدرة على مراجعة النفس، والتمسك بالعدل والرحمة والسلام، قبل أن تتحول الانحرافات الصغيرة إلى ظلمات يصعب اختراقها.
ومن هذا المنطلق، تصبح المحافظة على الإنسان هي في جوهرها محافظة على النور الذي بداخله؛ ذلك النور الذي يمنحه القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين العدل والظلم، وبين الرحمة والكراهية، ويمنعه من أن يتحول تدريجيًا إلى أسير لظلمات صنعها بنفسه.





